مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٤١

الأخطر لخراب الدنيا، فكثرة المترفين تؤدي إلى الفسق، والفسق يؤدي إلى تحقق القول، وتحقق القول يؤدي إلى التدمير. ولقد بدأت تتسرَّب إلى مجتمعاتنا الإسلامية بعض مظاهر الترف تنذرنا ــــ لا قدر الله ـــــ بالهلاك الخطير، بما يصاب به المجتمع الكبير، فلسنا أبناءَ الله وأحباءَه، وليست لنا في الزبر براءة، وكيف لا يصيبنا البلاء وقد صار التعالي في البنيان، والتنافس في الزخارف سمة من السمات في المجتمع بادية، والتباهي بالمراكب والتجاهر بالموبقات وصمة في البلاد عارية، وتلك لعمري من أفعال المترفين هاوية، فهل لنا منها من واقية، ألا فالحذرَ الحذرَ من التَّرف، فإنَّه لا محالة يؤدي إلى التَّلف، واحذروا مغبة قول من لا تخفى عليه خافية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على أهل الصُّفة وهم يرقِّعون ثيابهم بالأدَم، ما يجدون لها رقاعًا فقال لهم: أنتم اليوم خير أو يومَ يغدو أحدكم في حُلَّة، ويروح في أُخرى، ويُغدى عليه بحفنة، ويُراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تُستر الكعبة. قالوا: نحن يومئذ خير، قال - صلى الله عليه وسلم -: بل أنتم اليوم خير. وصدق رسول الله، فلقد ارتدَّ الإنسان إلى أسفل سافلين لمَّا ارتضى أن يكون كما توقعه رسول رب العالمين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

أيُّها القارئ الكريم، قبل ألفٍ وأربعِمائةٍ وإحدى وعشرين سنةً خلت على الأيام العظيمة من ذي الحجة، وبالتحديد في السنة العاشرة من الهجرة، وقف الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - في صعيد عرفة، يخطب جموع الحجيج في اليوم الذي أنزل فيه الله تعالى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يبلغهم أحكم الوصايا التيِّ وصَّى بها الكبير المتعال، ويقيم عليهم أعظم الحجج التيِّ قضى بها شديد المحال، ويودِّع جموع أمَّته المؤمنين يرجو منهم حسن الإصغاء والامتثال، ويضرب لهم موعدًا معه إن هم ماتوا على الوفاء يوم المآل، ولم يثنه عن الصدع بما أمر به فرحة العيد، وممَّا جاء في هذا الخطاب البديع قوله: أيها الناس: إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقَوا ربَّكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنَّكم ستلقَون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلَّغتُ. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإنَّ كلَّ ربًا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنَّه لا ربا، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا عمِّي الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ.

٣٩ / ٣٢٩