02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٤٢لقد تقدَّم لنا في ما مضى غيض من الكلام عن بعض الأوجه القبيحة التيِّ ظهرت بها الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، بعد أن اسودَّت مسالكها الملتهبة، وادلهمت خطوبها المتشعبة، فأوقعت البشريَّة جمعاء في شعاب أحراشها الممحلة، وأذاقت ويلاتِها كلَّ من أقلتهم الغبراء وأظلتهم الخضراء، من نبات وإنسان، وجماد وحيوان، ولقد تعرَّضنا بمزيد من البيان إلى أخطار السموم القاتلة التيِّ تسري في أجسام البشرية المترهلة، بعد أن نفثتها فيهم الثعابين الكبرى السامة والعاصرة، المتربصون في أدغال المراكز المالية الموبوءة محتكرين وسماسرة، وقدَّمنا تحقيقات عن المضاعفات المميتة التيِّ تمخضت عن الزيجات المشبوهة بين قياصرة الرِّبا وأباطرة الاحتكار، التيِّ أوصلت العالم أجمع إلى حالة من الفوضى المالية، والاضطرابات النفسية، والمخاوف الأمنية، وعادت بالبشرية إلى شبح الثَّلوث الملعون الفقرِ والجهلِ والمرضِ في مطلع الألفية الثالثة، بعد أن وطئت أقدام بني البشر سطح القمر، وتطلعت آمالهم إلى السكن في رحاب الكوكب الأحمر، وسوَّلت لهم أنفسهم اجتياح أعماق المحيط الأغبر، وصار الواحد منهم يرى أقصى ملكه كما يرى أدناه في أقلَّ من لمح البصر، ولكنَّهم ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ فلم يزدهم سلطانهم وعلمهم إلاَّ دمارًا، فارتدُّوا إلى أسفلِ سافلين لأنَّهم ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ وحقَّت عليهم سنة الواحد القهار التيِّ أرادها لكل فاجر كفَّار ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
إنَّه بالرَّغم من كلِّ هذه التداعيات المتلاحقة إلاَّ أنَّ حجم الأزمة الحقيقي لم يتَّضح بعد حتىَّ الآن، ولايزال العالم يعاني من ركود خطير، ويتخوَّف من أن يتحول إلى كساد كبير. وأصبح الجميع يدرك أنَّ أزمات النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم اقتصادياً بعد انتهاء النظام الاشتراكي بنهاية الشيوعية لا تنتهي، فمروراً بالكساد العظيم 1929، إلى أزمة البورصة المصرية 1959، إلى الإثنين الأسود 1987، إلى أزمة المكسيك 1994، إلى أزمة النمور الآسيوية 1997، إلى الثلاثاء الأسود في البورصة السعودية 2006، إلى الأزمة الراهنة وهي الأعنف على الإطلاق - ولن تكون الأخيرة قطعًا - لأنَّ سبب هذه الأزمات المتكررة هو فساد آليات النظام الاقتصادي الرأسمالي نفسِه، الذي يقوم على شفا جرف هار، وهو شفا الرِّبا وتوابعه، الذي لا ينضبط بأية قواعد أو قيم أو مبادئ أو أخلاقيات تحكم آلياتِه إلاَّ ضوابطُ الجشع والشهوة، وصدق قول ربِّنا الجليل {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا