مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٤٣

يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.

إنَّ الرِّبا عمليةٌ تصطدم ابتداء مع قواعد التصوُّر الإيماني؛ ونظامٌ يقوم على مبدإ لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى، وعلى أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة البشر. وأنَّ الإنسان هو سيِّد هذه الأرض؛ وهو غير مقيَّد بعهد من الله؛ وغير ملزم باتِّباع أوامر الله، ومن ثمَّ لا رعاية فيه للمباديء والأخلاق، ولا للنتائج والغايات التيِّ يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها.

أيُّها القارئ الكريم نودُّ في ختام هذا البحث في موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية الخطيرة أن نصل إلى خلاصة نبرز من خلالها النتيجة التيِّ كنَّا نرمي إليها من خلال ما تقدَّم، ونحقق الغاية المنشودة من المواضيع العديدة التيِّ طرقت، ألا وهي إبراز الإعجاز التشريعي الإسلامي في تحريم الرِّبا ومشتقاته، من خلال فصول الأزمة الاقتصادية الراهنة. بعد أن أعلن العالم شرقيُّه وغربيُّه عن إفلاس نظرياته، وعَجزِ حلوله عن تسيير دولاب الاقتصاد العالمي بما يحقق للبشرية جمعاء السعادة والرخاء، والأمن والغذاء.

ليس عجيبًا ولا غريبًا أن يكون الحلُّ الإسلاميُّ هو ضالةَ العالم في القرن العشرين، أو الخمسين، أو نهاية عمر هذا الإنسان المسكين، على هذا الموكب المتداعي بعد حين، وإنَّما العجيب أن يبحث العالم عن حلول تضعها قرائح البشر الضيِّقة، وتفترضها عقولهم القاصرة، وتعتصرها شهواتهم المتربصة، وهم أوحش حيواناتٍ مفترسة إذا ما تعلَّق الأمر بالدرهم والدينار، لذلك كان أباطرة المال يجرُّون البشريَّة رويدًا رويدًا لتوريطها في حمأة التعامل بالرِّبا للإجهاز عليها، وإيقاعها في فخاخه الجهنمية للانقضاض عليها، في حين يغفلون عن الحلِّ الذي وضعه خالق البشر وهو أعلم بهم وبما يصلح لهم، وأرحم بهم من الأم الرؤوم بوحيدها، فكان يدعوهم إلى التسامح والرضا، ويدفعهم إلى التعامل بالتعاليم الدينية والتمسك بأحكامها. ونريد في هذه المناسبة أن نبرز بعض الحقائق اليقينية التيِّ لا يجادل فيها اثنان من خلال ما قرره العلماء في العديد من مؤلفاتهم.

الحقيقة الأولى: أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي، لأنَّ الإسلام يصطدم اصطداماً مباشراً به وبنتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم، يقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (الآية:)

الحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية، لا في إيمانها وأخلاقها وتصوُّرها للحياة فحسب، بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً، ويعطل نموَّها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخدَّاع، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنموِّ الاقتصادي العام. وكيف لا والتعامل بالربا إيذان بإشعال

٤١ / ٣٢٩