04 باجو - الشيخ أبو إسحاق فقيها - الحلقة 02
الجزء ٥ · صفحة ٦٤من المشتغلين بفقه الافتراض، وسعى ليعالج هذا الأمر بإعادة الأمر إلى نصابه. وتجلى هذا في كثير من المسائل التي تناولها، ومنها: قضية أخذ الأجرة على القرآن، وحق الأب في مال ولده.
أخذ الأجرة على قراءة القرآن:
تناول قضية أخذ الأجرة على قراءة القرآن، باتفاق يتم بين القارئ والمستقرئ، وأثبت بطلان هذه الأجرة وأنها لا تجوز شرعا، لأنها إجارة على عبادة وقربة، والعبادة لا أجر عليها إلا ثواب الآخرة. واستفاض في إيراد أدلة بطلان هذه الأجرة من الكتاب والسنة والإجماع، ثم تعرض لما يناله طلبة العلم في ميزاب من أوقاف وبيّن جواز ذلك، وأن المسألتين مختلفتان، فقال: «والذي جرى عليه العمل عند أصحابنا من وَقْف الأوقاف على طلبة العلم وحفظة القرآن لا يدخل في هذا، لأن ذلك وقف ابتغاء مرضاة الله، ووجه إنفاقه هو الإنفاق على الطلبة والحفظة إعانة لهم على عملهم الصالح الذي يعود على الأمة بالخير العميم، فهم يتعلمون للتفقه في الدين والانقطاع للعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك من أهل الوقف أوقفوه في هذا السبيل ابتغاء ما عند الله من الثواب والحسنى. فالأمر من الطرفين خير، وأما هؤلاء الديدان فقد أرادوا ابتداعا ومنكرا أن يكون تجارة وكسبًا للحطام، وهذا من خلوّ النفوس من التفقه في الدين والجهل بمعنى العبادة، وتغلب الهوى على العقل. وهذا خطر على الدين عظيم دخل على أهل الاستقامة، أعاذهم الله منه، وهم من أرسخ الأمة في الدين والإخلاص لله في سائر العبادات، وما كان منها مشوبا بشيء من القوادح كان عندهم باطلا لا يصح الاعتداد به. وقد يوصل إلى الشرك، نسأله سبحانه السلامة ونستعيذ به من الشرك والخذلان. أولا ترى أنهم يجتمعون أيام الجمع في مساجد الأشياخ لقراءة القرآن وختمه في نفس اليوم في أربعة مجالس، ثم تقسم تلك الصدقات على الطلبة وعلى السواد من العامة، حيث يكون الفقير في مأمن من الجوع تلك الأيام، يتنعم بتلك الخيرات التي يتفنن الناس في إكثاره مبالغة في القربى إلى الله، ورغبة في إدخال السرور البالغ إلى أولئك الفقراء من باد وحاضر. تلك الصدقات متى أخلصت كانت نعم القربى، وأقوى الزلفى، تكون سببا لحفظ الدين والتفقه فيه، وأكثر المشتغلين به الفقراء من المسلمين، يا أسفاه. وإشباع البائسين، وإغناء الجائعين، وتبقى في الناس ثلة من المنقطعين لحفظ القرآن، وهذا أمر يجب على المسلمين الجد في تشجيعه بالإنفاق ابتغاء مرضاة الله، وعلى الذين انقطعوا إليه من الضعفاء عليهم بالإخلاص لله تعالى، وإلا كان