05 حمدي - فقه المال العام عند الإباضية - الحلقة 04
الجزء ٦ · صفحة ٨٣يتغير سواء وجد في أيدي المشركين أو المسلمين، سواء وقعت القسمة أم لم تقع، فحقه ثابت ما دامت ملكيته صحيحة. ويستدل على ذلك بأثر ورد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -:" لا توى على مال المسلم"(1) والتوى في اللغة يعني التلف والهلاك يقال: توى ماله يتوى فهو تو وتاو، إذا هلك وذهب لا يرجى، ويستعمل جل الفقهاء الكلمة بنفس الدلالة اللغوية(2).
وأورد المصنف قولا آخر للأصحاب فيما إذا ظفر المؤمن بماله في يد المسلم عليه أن يرد عليه ثمنه الذي اشتراه به. "قال بعض أصحابنا: يأخذ ماله إذا وجده من يد المسلم ويرد عليه ثمنه الذي اشتراه به."(3) إلا أنه يرجح القول الأول، يعني أنه يأخذ ماله الذي وجده عند غيره بدون أن يلزم برد الثمن. ثم يعقب المصنف على رأي الأحناف القائل بتمليك المشركين أموال المسلمين عند الغنيمة قياسا على غنيمة المسلمين لأموال المشركين، مستدلا على ذلك بالحديث المروي عن النبيء ـــ السالف ذكره ـــــ وبقصة ناقة النبيء - صلى الله عليه وسلم - التي أخذها المشركون في غارة على سرح المدينة، وقد أُسرت امرأة في تلك الغارة، ثم حاولت الفرار، فجعلت المرأة كلما أتت إلى ناقة رغت حتى أتت الغضباء ـــــ ناقة النبيء ـــــ فوجدتها طيعة ذلولا فركبتها في اتجاه المدينة، ونذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرها، فلما وصلت المدينة ورآها الناس فقالوا ناقة رسول الله، وذكروا للنبيء وأخبروه بنذرها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بئس ما جازيتها" وقال" لاوفاء بنذر في معصية، ولا نذر فيما لا يملك بني آدم".
"أما الغنيمة فهي ما غنمه المسلمون من أموال العدو عن حرب تكون بينهم، فهي لمن غنمها إلا الخمس".(4) فتعريف الغنيمة عند ابن بركة هو التعريف الشائع عند فقهاء المالية: إلا أنه ورد مجملا لم يبين ولم يوضح تفاصيله كما فصلها أبو يوسف في خراجه إذ يقول إجابة عن سؤال أمير المؤمنين هارون الرشيد إجابة عن سؤاله عن قسمة الغنائم،"(5) فإن الله تبارك وتعالى قد أنزل ذلك في كتابه، فهذا والله أعلم فيما يصيب المسلمون من عساكر أهل الشرك وما أجلبوا من متاع والسلاح والكراع، فإن في ذلك الخمس لمن سمّى عز وجل في كتابه وأربعة أخماسه بين الجند الذين أصابوا ذلك."بيّن المصنف الأصل اللغوي للغنم وقال:"وأصل الغنم في اللغة الربح والفضل ومنه قيل في الرهن له غنمه وعليه غرمه، أي فضله للرهن ونقصانه عليه".
تعريف النفل: "وأما النفل الذي ذكره الله في كتابه" يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول"(6). والنفل ما نَفله الإمام من الُخمس إذا صار في يده فخص منه من شاء." فهذا التعريف الذي يراه المصنف للنفل يعني أنه جزء من خمس الغنائم التي يغنمها المسلمون والتي تكون بيد الإمام، ينفلها لمن يشاء، فهذا المفهوم قريب من مفهوم الصوافي، ولفقهاء المالية مذاهب في مدلول ومفهوم النّفل تنحصر في خمسة أقوال تستعرضها فيما يلي:
المفهوم الأول: هي الغنائم، وهذا المفهوم يربط بين الأنفال التي ذكرت في بداية سورة الأنفال ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .... ﴾ و بين ما ورد في ثنايا نفس السورة، إجابة عن ذلك التساؤل ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .... ﴾
المفهوم الثاني: هي الفيء، والفيء لغة تعني الرجوع، وفي الاصطلاح الفقهي فهو ما أخذ من أموال أهل الحرب صلحا من غير قتال، أو بعد أن تضع الحرب أوزارها كالخراج والجزية ونحو ذلك(7)، وهذا المفهوم يجعل الفيء والنفل شيء واحد.
المفهوم الثالث: الخمس وهو الخمس الذي استثنته الآية وحددت مصارفه.
المفهوم الرابع: هو ما أخذ قبل إحراز الغنائم بدار الإسلام وقسمتها. والأصل أن ماأخذ قبل قسمة الغنائم يسمى غلولا، وقد نهى الإسلام عنه وشدد النكير على آخذه.
المفهوم الخامس: هو السّلب، وهو ما يدفع للمقاتل زائد على سهمه من المغنم ترغيبا له في القتال.
فهذه هي مذاهب فقهاء المالية في مفهوم الأنفال، ونرى أن المفهوم الثاني هو الأصح لكونه يتطابق مع المفهوم القرآني، إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(8).وهو ما يتطابق مه المفهوم الذي يراه مصنفنا
إذ يقول: "وكان الفيء على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أفاء الله على رسوله وعلى
(1) -أخرجه البخاري
(2) -معجم، نزيه، ص:152
(3) -الجامع، نفسه
(4) -نفسه: ص:495
(5) -الخراج، أبو يوسف، ص:116
(6) -سورة الأنفال، آية:1
(7) -معجم المصطلحات، نزيه، مرجع سابق، ص:365
(8) -سورة الحشر، آية:6