مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

05 حمدي - فقه المال العام عند الإباضية - الحلقة 04

الجزء ٦ · صفحة ٨٦

الطبيعة بدون جهد إنساني، وكل طاقة المعبر عنها بالنار. والإستحواذ تحكمه قاعدة "المباح لمن سبق إليه".

يرى المصنف أن هذا الحكم يعمّ المسلمين وغيرهم فيقول: "وهذان الخبران يَعُمّان كل صائد ومحيى كل أرض ميتة، ولم يخص مسلما من كافر".(1) بينما يميز الإمام الشافعي بين الاصطياد والإحياء فأجاز للذمي الاصطياد دون الإحياء، فيتحفَّظ المصنف من هذا التفريق والتمييز الذي لا مبرر له عنده،"وعندي أن الفرق بينهما يصعب على متكلفه والله أعلم".ونرى وجاهة رأي المصنف الذي يعتبر الذمي مواطنا يعيش في كنف الدولة الإسلامية يتمتع بكافة حقوق المواطنة، منها الحق في إحياء الأرض كغيره من المواطنين المسلمين.

ثم أثار المصنف مسألة أخرى تتعلق بتمليك أرض الموات لا تكون إلا بإذن الإمام، من غير أن يبدي رأيه، ألا ان سياق الكلام يدل أن يرى خلاف ذلك، فتمليك أرض الموات يحكمها الحديث النبوي الوارد ذكره، إلا الإمام أبا حنيفة يشترط لإحياء الموات جواز إمام المسلمين فيقول رحمه الله:"من أحيا أرضا مواتا فهي له إذا أجازه الإمام، ومن أحيا أرضا مواتابغير إذن الإمام فليست له وللإمام أن يخرجها من يده ويصنع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع وغير ذلك."(2) وقد علل أبو يوسف رأي أبي حنيفة لكونه إجراء تنظيميا من قبل الإمام حتى تصان الحقوق وتمنع الخصومات، وليس ما قال أبو حنيفة يردّ الأثر وإنما يُنظم عملية الإحياء. ثم بيّنَ أبو يوسف رأيه المخالف لرأي شيخه قائلا:"أما أنا فأرى إذا لم يكن فيه ضرر ولا لأحد فيه خصومة أن إذن رسول الله جائز إلى يوم القيامة، فإذا جاء الضرر فهو على الحديث"ليس لعرق ظالم حق"(3).

وأرى أن رأي الإمام أبي حنيفة له من الوجاهة بمكان، فالإمام يضع الضوابط لإحياء أرض الموات حتى تنظم عملية الإحياء، فعلى الرغم أن الأرض الميتة من المال المباح، فلو تركت القضية بدون ضبط لسادت الفوضى، لكن عندما يضع السلطان يده على أنه ينظم الإستفادة منها، وله الحق في استردادها إذا لم يتحقق الغرض من تمليك الأرض وهو الإحياء، فقد حدث في عهد عمر بن الخطاب أن استرد من بلال المزني أرضا أقطعه أياها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما ثبت عجزه عن عمارتها كاملة. وهو ما تقوم به

(1) -الجامع، نفسه، ص:406

(2) -أبو يوسف، الخراج، ص:176

(3) -نفسه.

٨٣ / ٣٢٩