05 حمدي - فقه المال العام عند الإباضية - الحلقة 04
الجزء ٦ · صفحة ٨٨الطعام.
ب ــــ وجود فائض من الطعام لدى البائعين وامتناعهم عن بيعه.
ج ــــ عدم توفر القدر الكافي من الطعام في الأسواق
مفهوم التسعير: إن التسعير بمفهومه الاقتصادي يعني أن يختص جهاز التخطيط في الاقتصاد الموجه بوضع وتحديد أسعار السلع والخدمات ويُلزم المبايعين بها، بحيث يتعطل دور جهاز السوق، وهذا قد يحدث ضررا بأحد أطراف عملية التوزيع والتداول مما يؤدي في النهاية إلى ظهور السوق الموازية، فالتسعير آلية أساسية في الاقتصاد الموجه.
أما مفهوم التسعير في الاقتصاد الإسلامي فقد حدّد الفقهاء شروطه ووضعوا ضوابطه، كما أنه يعتبر آلية استثنائية في السوق الإسلامية، إذ أن الأصل ترك آلية جهاز السوق تعمل علمها بدون تدخل من أي طرف سواء كان الدولة أو أي جهة أخرى، فإذا انتفت شروط السوق، تدخلت الدولة بالتسعير، فهو كما ذكر المصنف:"جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم الذي يكون عدلا من قيمته ويجبرهم على ذلك.(1) "فالنص حدد بدقة مفهوم التسعير والذي يعني شيئين اثنين:
أ ــــ الإلزام بالبيع والجبر عليه إذا امتنع البائعون.
ب ــــ تحديد الثمن العدل.
فالعنصر الأول يضمن ضرب الاحتكار وتوفير السلع في السوق لقضاء حاجة الناس الماسة لتلك السلع الضرورية سواء كانت طعاما أو غيره. والعنصر الثاني يضمن حقوق المتبايعين، إذ لا يجبرون على البيع بالسعر الذي تفرضه الدولة، وإنما بالثمن الذي يحقق العدل للطرفين، بأن تُراعى حاجة الناس من جهة، ومن جهة أخرى يُوفر للبائع تغطية تكلفة السلعة مع هامش ربحي معقول، وهو ما عبّر عنه بعض الفقهاء "بالثمن المثل". يقول الشيخ ابن تيميةمعبرا عن سعر المثل في الحالات الاستثنائية:"واما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به "(2)
إجراءات تطبيق التسعير (سعر المثل)
قال الإمام المالكي أبو الوليد:"ووجه ذلك أن يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس. فإذا سعر عليهم بغير رضى بمالا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس."(3)
ولتجسيد ذلك في السوق يقوم فريق مكوّن من ممثلين للجهاز الحكومي، وممثلين لرجال العمال والتجار الذي يراد تسعير منتجاتهم، وممثلين للخبراء في التسويق والتكاليف، وذلك حتى يشعر التجار والجمهور بعدالة التسعير وموضوعيته، ثم تُجرى دراسة موضوعية تتناول تكلفة السلعة من جهة وهامش الربح من جهة أخرى، ثم يتحاور هذا الفريق بعناصره الثلاثة بحيث يصل في النهاية إلى سعر للسلعة يرضي التجار به ولا يضر بعامة الناس.(4)
هذا هو مفهوم التسعير في المفهوم الإسلامي وقد وضع الفقهاء أسسه وإجراءات تطبيقه، وهو ما نراه يختلف جدريا عن مفهومه في الاقتصاد الوضعي، وقد ساهم مصنفنا في بلورة المفهوم الإسلامي للتسعير.
مشروعية التسعير:
اختلف الفقهاء في مسألة التسعير إلى رأيين اثنين فمنهم من تمسك بنص الحديث الوارد في التعسير وقالوا بعدم الجواز في كل الظروف والأحوال، فقد روى أنس: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله لو سعّرت لنا فقال: "إن الله القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها أياه في دم أو مال"(5). وقالوا بأن الناس مسلطون على أموالهم وليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها إلا بطيبة نفس، وهذا قول الشافعية ومن قال برأيهم.
ومنهم من يرى مشروعية التسعير في الحالات الاستثنائية وعند الضرورة، وقالوا بأن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمنع التسعير في الحالات العادية الطبيعية للسوق واستدلوا من الحديث مايلي:(6)
أ ــــ أن السعر ارتفع في المدينة لقلة الشيء وكثرة الخلق.
ب ــــ أن هذا النوع من ارتفاع السعر عارض ناشئ من سبب طارئ يزول بزوال سببه.
ج ــــ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع التسعير تهاونا
(1) -نفسه.
(2) -الحسبة، ابن تيمية، دار القصر البليدة، الجزائر، ص:16
(3) -أبو الوليد الباجي، المنتقى شرح الموطأ ج:5،ص:19
(4) -دنيا شوقي، النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، دار الخريجي الرياض، ص:176
(5) -رواه أبو داود
(6) -فكري نعمان، النظرية الاقتصادية في الإسلام، دار القلم دبي، ص:299