الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لأعرابي من بني سعد وقد نزل به أضياف

الجزء ١ · صفحة ١٠

تمرون الديار ولم تعوجوا … كلامكم علي إذاً حرام

ورواية بعضهم له: " أتمضون الديار " فليس بشىء لما ذكرت لك، و السماع الصحيح و القياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة . أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:

مررتم بالديار ولم تعوجوا "

فهذا يدلك على أن الرواية مغيرةٌ.

فأما قولهم: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، وقول الراجز:

قد صبحت صبحها السلام … بكبد خالطها سنام

في ساعة يحبها الطعام

يريد في ساعة يحب فيها الطعام، وكذلك الأول، معناه: ما أذوق فيهن، فليس هذا عندي من.

باب قوله جل وعلا " واخيار موسى قومه "

الأعراف: 155 إلا في الحذف فقط، وذلك أن ضمير الظرف تجعله العرب مفعولاً على السعه، كقولهم: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، فهذا يشبه في السعة في السعة بقوله: زيد ضربته وما أشبه، فهذا بينٌ.

لأعرابي من بني سعد وقد نزل به أضياف

قال أبو العباس: ومما يستحسن و يستجاد قول أعرابي من بني سعد بن زيد مناة تميم، وكان مملكاً، فنزل به أضياف، فقام إلى الرحى فطحن لهم، فمرت به زوجته في نسوة، فقالت لهن: أهذا بعلي فأعلم بذلك فقال، قال أبو الحسن: أخبرنا به عن أبي محلم له يعني السعدي:

تقول وصكت صدرها بيمينها: … أبعلي هذا بالرحى المتقاعس

فقلت لها لا تعجبي وتبيني … بلائي إذا التفت علي الفوارس

ألست أرد القرن يركب ردعه … وفيه سنان ذو غرارين يابس

إذا هاب أقوام تجشمت هول ما … يهاب حماياه الألد المداعس

لعمر أبيك الخير إني لخادم … لضيفي، وإني إن ركبت لفارس

قوله: " المتقاعس " إنما هو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، ويقال:عزة قعساء، وإنما هذا مثل، أي لا تضع ظهرها إلى الأرض. وقوله: " بالرحى " من صلة الذي، والصلة تمام الوصول، فلو قدمها قبله لكان لحناً خطاً فاحشاً، وكان كمن جعل آخر الاسم قبل أوله، ولكنه جعل " المتقاعس " اسماً على وجهه، وجعل قوله: " بالرحى " تبييناً بمنزلة " لك " التي تقع بعد " سقياً " ، وبمنزلة " بك " التي تقع بعد قولك: " مرحباً " فإن قدمتها فذلك جيد بالغ، تقول: بك مرحباً و أهلاً، وتقول: لك حمداً، ولزيد سقياً، فأما قول الله عز وجل: " وأنا على ذلكم من الشهدين " الأنبياء: 56 وكذلك " وقاسمهما إنى لكما لمن النصحين " الأعراف: 21 فيكون تفسيره على وجهين: أحدهما أن يكون: إنني ناصح لكما، وأنا شاهد على ذلكم، ثم جعل " من الشاهدين " و " لمن الناصحين " تفسيراً لشاهد وناصح، ويكون على ما فسرناه يراد به التبيين، فلا يدخل في الصلة، أو يكون على مذهب المازني.

قال أبو العباس: وهو الذي أختار، على أن الألف واللام للتعريف لا على معنى الذي، ألا ترى أنك تقول: نعم الفائم زيد، ولا يجوز: نعم الذي قام زيد، وإنما هو بمنزلة قولك: نعم الرجل زيد، وهذا الذي شرحناه متصل في هذا الباب كله مطرد على القياس.

وقوله: " ألست أرد القرن يركب ردعه " فإنما اشتقاقه من السهم يقال: ارتدع السهم إذا رجع متأخراً، ويقال: ركب البعير ردعه إذا سقط، فدخل عنقه في جوفه، والكلام مشتق بعضه من بعض، ومبين بعضه بعضاً، فيقال من هذا في المثل: ذهب فلان في حاجتي فارتدع عنها، أي رجع، وكذلك: فلان لا يرتدع عن قبيح، والأصل ما ذكرت أولاً.

ومثل هذا قولهم: فلان على الدابة، وعلى الجبل، أي فوق كل واحد منهما ثم تقول: عليه دين تمثيلاً، وكذلك ركبه دين، وإنما يريد أن الدين علاه و قهره، وكذلك فلان على الكوفة إذا كان والياً عليها، وكذلك: علا فلان القوم، إذا علاهم بأمره وقهرهم، أو جعل هذا الموضوع.

وقوله: " وفيه سنان ذو غرارين يابس " فالغرار هنا الحد، وللغرار مواضع.

قال أبو العباس: وحدثني الرياشي في إسناد له قال: قال جبر بن حبيب وذكر الراعي: أخطأ الأعور قال: ولم يعلم الحاكي عنه أن الراعي كان أعور إلامن هذا الخبر في قوله:

فصادف سهمه أحجار قف … كسران العير منه والغرارا

١٠ / ٣٣٦