الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

بلغه قتل عامله حسان بن حسان

الجزء ١ · صفحة ٥

وقوله: " ومن تخلق للناس " ، يقول: أظهر للناس في خلقه خلاف نيته. وقوله: " تخلق " يريد أظهر مثل تجمل يريد أظهر جمالاً وتصنع، وكذلك تجبر، إنما تأويله الإظهار، أي أظهر جبرية، وإن شئت جبروتاً،وإن شئت جبروتي " وإن شئت جبروة " . ومن كلام العرب على هذا الوزن: رهبوتى خير لك من رحموتى، أي " ترهب خير لك من أن ترحم " . قال أبو العباس وأنشدونا عن أبي زيد:

ياأيها المتحلي غير شيمته … إن التخلق يأتي دونه الخلق

ولا يؤاتيك في ما ناب من حدث … إلا أخو ثقة فأنظر بمن تثق

قال: وأنشدتني أم الهيثم الكلابية:

ومن يتخذ خيماُ سوى خيم نفسه … يدعه ويغلبه على النفس خيمها

وقال ذو الإصبع العدواني:

كل إمرىء راجع يوماً لشيمته … وإن تمتع أخلاقاًإلى حين

وأما قوله: " ثواب " ، فاشتاقه من ثاب يثوب إذا رجع، وتأويله ما يثوب إليك من مكافأة الله وفضله.

كتاب عثمان إلى علي

بن أبي طالب حين أحيط به

وكتب عثمان بن عفان إلى علي رحمه الله حين أحيط به: أما بعد،فإنه قد جاوز الماء الزبى وبلغ الحزام الطبيين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع في من لا يد فع عن نفسه:

فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أمزق

قوله: " قد جاوز الماء الزبى " فالزبية مصيدة الأسد، ولا تتخذ إلا في قلة أو رابية أو هضبة، قال الراجز:

كاللذ تزبى زبية فاصطيدا

وقال الطرماح:

ياطييىء السهل والأجبال، موعدكم … كمبتغى الصيد أعلى زبية الأسد

وتقول العرب: " قد علا الماء الزبى " ، و " قد بلغ السكين العظم " و " بلغ الحزام الطبيين " و " قد انقطع السلى في ا لبطن " . فالسلى من المرأة والشاة ما يلتف فيه الولد في البطن، قال العجاج:

فقد علا الماء الزبى فلا غير "

أي: قد جل الأمر عن أن يغير و يصلح. وقوله " وبلغ الحزام الطبيين، فإن السباع و الخيل يقال لموضع الأخلاف منها: أطباء يا فتى، وأحدها طبي كما يقال في الظلف والخف: خلفٌ، هذا مكان هذا فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه، و مثل هذا من أمثالهم: " التقت حلقتا البطان " : ويقولون: " التقت حلقتا البطان و الحقب " ويقال: حقب البعير إذا صار الحزام في الحقب، قال الشاعر:

إذا ما حقب جال … شددناه بتصدير

وقال أوس بن حجر:

وازدحمت حلقتا البطان بأق … وام وطارت نفوسهم جزعا

وتمثله بالبيت يشاكل قول القائل:

فإن أك مقتولاً فكن أنت قاتلي … فبعض منايا القوم أكرم من بعض

عتاب عثمان علي بن أبي طالب

ويروى عن قنبر مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: دخلت مع علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان رضي الله عنهما، فأحبا الخلوة، فأومأ إلي علي بالتنحي، فتنحيت غير بعيدٍ فجعل عثمان يعاتب عليا وعلي مطرق، فأقبل عليه عثمان فقال: ما بالك لا تقول: فقال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلاما تحب.

تأويل ذلك: إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي فلذعك عتابي، و عقدي ألا أفعل " وإن كنت عاتباً إلا ما تحب.

خطبة علي بن أبي طالب حين

بلغه قتل عامله حسان بن حسان

وتحدث ابن عائشة في إسناد ذكره أن علياً رحمه الله انتهى إليه أن خيلاً لمعاوية وردت الأنبار، فقتلوا عاملاً له يقال له: حسان بن حسان، فخرج مغضباً يجر ثوبة حتى انتهى إلى النخيلة، واتبعه الناس، فرقي رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:

٥ / ٣٣٦