لأعرابي من بني كلاب
الجزء ١ · صفحة ٩الكناس و المكنس: الموضع الذي تأوي إليه الظباء، وجمع الكناس كنس وجمع المكنس مكانس. ورميم: اسم جارية، مأخوذ من العظام الرميم، وهي البالية، وكذلك الرمة، والرمة: القطعة البالية من الحبل، وكل ما اشتق من هذا فإليه يرجع. "
الاستعانة في الكلام
قال أبو العباس: وأما ما ذكرناه من الاستعانة، فهو أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحح به نظماً " او وزناً " إن كان في شعر، او ليتذكر به ما بعده إن كان في كلام منثور، كنحو ما تسمعه في كثير من كلام العامة قولهم: ألست تسمع أفهمت أين أنت وأشبه هذا، وربما تشاغل العيي بفتل إصبعه ومس لحيته، وغير ذلك من بدنه، وربما تنحنح. وقد قال الشاعر يعيب بعض الخطباء في شعر:
مليءٌ ببهرٍ والتفاتٍ وسعلةٍ … ومسحةٍ عثنونٍ وفتل أصابعٍ
وقال رجل من الخوارج يصف خطيباً منهم بالجبن، وأنه مجيدٌ لولا أن الرعب أذهله:
نحنح زيدٌ وسعل … لما رأى وقع الأسل
؟ويلمه إذا ارتجل ثم أطال واحتفل ومما يشاكل هذا المعنى ويجانس هذا المذهب ما كان من خالد بن عبد الله القسري، فإنه كان متقدماً في الخطابة ومتناهياً في البلاغة، فخرج عليه المغيرة بن سعيد بالكوفة في عشرين رجلاً، فعطعطوا به، فقال خالد: " اطعموني ماءً " وهو على المنبر، فغير بذلك، فكتب به هشام إليه في رسالة يوبخه فيها، سنذكرها في موضعها إن شاء الله. وغيره يحيى بن نوفل فقال:
لأعلاجٍ ثمانيةٍ وعبدٍ … لئيم الأصل في عددٍ يسير
هتفت بكل صوتك: أطعموني … شراباً، ثم بلت على السرير
فهذا عارض. وقال آخر يعيره:
بل المنابر من خوفٍ ومن وهلٍ … واستطعم الماء لما جد في الهرب
وألحن الناس كل النس قاطبةٌ … وكان يولع بالتشديق في الخطب
لأعرابي من بني كلاب
ومما يستحسن لفظه ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من بني كلاب:
فمن يك لم يغرض فإني ونلقتي … بحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان
تحن فتبدي ما بها من صبابة … وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
يريد: لقضى علي، فأخرجه لفصاحة وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله عز وجل: " وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " المطففين 3 والمعنى إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، ألا ترى " أن " أول الآية " الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون " المطففين2: فهؤلاء أخذوا منهم ثم أعطوهم، وقال الله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " اللأعراف: 155 أي من قومه، وقال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما امرت به … فقد تركت ذا مال و ذا نشب
أي أمرتك بالخير، ومن ذلك قول الفرزدق:
ومنا الذي اختير الرجال سماحةً … وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
أي من الرجال. فهذا الكلام الفصيح.
وتقول العرب: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، أي ما أذوق فيهن، وقال الشاعر:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً … قليلاً سوى الطعن النهال نوافذه
قال أبو الحسن: قوله: " لم يغرض " ، أي لم يشتق، يقال: غرضت إلى لقائك، وحننت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، وجعت إلى لقائك أي إشتقت، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:
من ذا رسولٌ ناصحٌ فمبلغٌ … عني علية غير قول الكاذب
أني غرضت إلى تناصف وجهها … غرض المحب إلى الحبيب الغائب
التناصف: الحسن.
وأما قوله: " لقضاني " فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله عز وجل: " فلما قضينا عليه الموت " سبأ14، فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، فلهذا ناسب قوله عز وجل: " واختار موسى قومه " ، الأعراف 155 وكذلك قوله: " كالوهم " فالشىء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيداً وأنت تريد: مررت بزيد، لأنه لا يعتدى إلا بحرف جر، وذلك أن فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه د ليل على المفعول نفسه، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى مفعولين، فيتعدى إلى أحدهما بحرف جر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيداً، قد علم بذكرك " زيداً " أن حرف الجر محذوف من الأول. فأما قول الشاعر وهو جرير وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله: