الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لتخلصه من التكلف

الجزء ١ · صفحة ٨

وقال أبو العباس : من كلام العرب الاختصار المفهم، والإطناب المفخم وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه، كما قيل: لمحة دالة. وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ، فيقع في كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإن انعطفت عليه جنبتا الكلام غطتا على عواره، وسترتا من شينه. وإن شاء قائل أن يقول: بل الكلام القبيح في الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر، كان ذلك له، ولكن يغتفر السيىء للحسن، والبعيد للقريب.

من ألفاظ العرب البينة القريبة المفهمة

فمن ألفاظ العرب البينة القربية المفهمة، الحسنة الوصف، الجميلة الرصف قول الحطيئة:

وذاك فتى إن تأته إن تأته في صنيعةٍ … إلى ماله لا تأته بشفيع

وكذلك قول عنترة:

يخبرك من شهد الوقيعة أنني … أغشى الوغى وأعف عند المغنم

وكما قال زهير:

على مكثريهم رزق من يعتريهم … وعند المقلين السماحة والبذل

مما وقع من الكلام كالإيماء

ومما وقع كالإيماء قول الفرزدق:

ضربت عليك العنكبوت بنسجها … وقضى عليك به الكتاب المنزل

فتأويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف، فقال : وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد به قول الله تبارك وتعالى " وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت " . 41 ومن كلامه المستحسن قوله لجرير:

فهل ضربة الرومي جاعلة لكم … أبا عن كليب أو أباً مثل دارم

ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعاني قوله:

وما مثله في الناس إلا مملكاً … أبو أمه حي أبوه يقاربه

مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله عمر بن عمر بن مخزوم،وهو خال هشام بن عبد الملك، فقال:

وما مثله في الناس إلا مملكاً

يعني بالمملك هشاماً، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان هذا الكلام على وجهه لكان قبيحاً، وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدل على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير: حتى كأن هذا الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول:

تصرم مني ود بكر بن وائلٍ … وما كاد مني ودهم يتصرم

قوارص تأتيني ويحتقرونها … وقد يملأ القطر ألإناء فيفعم

وكأنه لم يقع ذلك الكلام لمن يقول:

والشيبينهض في السواد كأنه … ليل يصيح بجانبيه نهار

فهذا أوضح معنى، وأعرب لفظٍ، وأقرب مأخذٍ.

وليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، ألا ترى كيف يفضل قول عمارة على قرب عهده:

تبحثتم سخطي فغير بحثكم … نخيلة نفسٍ كان نصحاً ضميرها

ولن يلبث التخشين نفساً كريمة … عريكتها أن يستمر مريرها

وما النفس إلا نطفة بقرارةٍ … إذا لم تكدر كان صفواً غديرها

فهذا كلام واضح، وقول عذبٌ، وكذلك قوله إيضاً:

بني دارم إن يفن عمري فقد مضى … حياتي لكم مني ثناءٌ مخلد

بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهداً … وإن عدتم أثنيت، والعود أحمد

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟مما يفضل من أقوال الشعراء

لتخلصه من التكلف

ومما يفضل لتخلصه من التكلف، وسلامته من التزيد، وبعده من الاستعانة قول أبي حية النميري:

رمتني وستر الله بيني و بينها … عشية آرام الكناس رميم

ألا رب يوم لو رمتني رميتها … ولكن عهدي بالنضال قديم

يقول: رمتني بطرفها، وأصابتني بمحاسنها، ولو كنت شاباً لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت، ولكن قد تطاول عهدي بالشباب، فهذا كلام واضح.

قا ل أبو الحسن: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب البيتين عن عبد الله بن شبيب وروى:

؟؟عشية أحجار الكناس رميم

وزاد فيه بيتا:ً

رميم التي قالت لجارات بيتها … ضمنت لكم ألا يزال يهيم

٨ / ٣٣٦