الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

يمدح قوما من الحيرة

الجزء ١ · صفحة ١١

وجبر بن حبيب هو المخطىء، لأن الغرار ههنا هو الحد، وذهب جبر إلى أنه المثال، وقد يكون المثال، وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل معاني، يقال: بنوا بيوتهم على غرار واحد، أي على مثال واحد، كما قال عمرو بن أحمر " الباهلي " :

وضعن وكلهن على غرار … هجان اللون قد وسقت جنينا

و يقال: لسوقنا درة وغرار، أي نفاق و كساد، فهذا معنى آخر، وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الأخير أنه شيء، ومن هذا: غار الطائر فرخه، لأنه إنما يعطيه شيئاً بعد شيء، وكذلك غارت الناقة في الحلب، ويقال من هذا: ما نمت إلا غرار، قال الشاعر:

ما أذوق النوم إلا غراراً … مثل حسو الطير ماء الثماد

فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه.

وقوله: " يهاب حمياه الألد المداعس " فأصل الحميا إنما هي صدمة الشيء، يقال: فلان حامي الحميا، ويقال صدمته حمياً الكأس، يراد بذلك سورتها.

وقوله: " الألد " فأصله الشديد الخصومة، يقال: خصم ألد، أي لا ينثني عن خصمه. قال الله عز وجل: " وتنذر به قوماً لداً " مريم: 97 كما قال: " بل هم قوم خصمون " ، الزخرف: 58، وقال مهلهل:

إن تحت الأحجار حزماً وجوداً … وخصيماً ألد ذا معلاق

ويروي: " مغلاق " فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجة الخصم،ومن قال، " ذا معلاق " ، فإنما يريد أنه إذا علق خصماً لم يتخلص منه، وجعل السعدي الألد الذي لا ينثني عن الحرب تشبيهاً بذلك، و المداعس: المطاعن، يقال: دعسه بالرمح إذا طعنه، قال عمير بن الحباب السلمي:

أنا عميرٌ وأبو المغلس … وبالقناة مازني مدعس

قال أبو الحسن: تأويل قول السعدي: " أبلعي هذا بالرحى المتقاعس " " بالرحى " تبيين ولم يوضحه، فإن تقدير ما كان من هذا الضرب أنه إذا قال: " أبعلي هذا بالرحى المتقاعس " ، فإن المتقاعس يدل على أن تقاعساً وقع،فكأنه قال: وقع التقاعس بالرحى، ولم يرد أن يعمل " المتقاعس " في قوله: " بالرحى " ، لأنه في صلة، والصلة من الموصول بمنزلة الدال من زيد أو الياء، فكما لا يجوز أن يتقدم حروف الاسم بعضها على بعض، لم يجز أن تتقدم الصلة على الموصول، فأما قول الله عز وجل: " وقاسمهما إنى لكما لمن النصحين " ، الأعراف: 21، وكذلك: " وأنا على ذلكم من الشهدين " الأنبياء: 56، فإنه يكون على التبيين الذي قدمنا ذكره وهو قول البصريين أجمعين، إلا أن أبا عمر الجرمي أجاز أن يجعل " لكما " ،و " على ذلكم " معلقين بشيئين محذوفين دل عليهما " من الناصحين " ، و " من الشاهدين " ، لأن " من " مبعضة، فكأنه قال والله أعلم: وقاسمهما إني ناصح لكما من الناصحين، وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين.

وأما اختياره وذكره أنه قول المازني، وجعله الألف واللام للعهد مثلهما في الرجل وما أشبهه، فإن هذا القول غير مرضي عندي، لأنك إذا قلت: نعم القائم زيدٌ فجعلت الألف واللام كالألف واللام الداخلتين على ما يؤخذ من الفعل كالإنسان و الفرس وما أشبهه، فإنه إذا كان هكذا دخل في باب الأسماء الجامدة وهي التي لم تؤخذ من أمثلة الفعل، وامتنع من أن يعمل مؤخراً إلا على حيلة ووجهٍ بعيدٍ من التبيين الذي ذكرناه. وإذا كان التأخير لا يعمل بنفسه، فكيف يعمل إذا تقدم عليه الظرف وهذا مستحيل لا وجه له.

وأما إنشاده:

لا أذوق النوم إلا غراراً

فإن هذه أبيات أربعة أنشدناها عن الزيادي، وذكر أنه كان يستحسنها وهي لأعرابي قال:

ما لعيني كحلت بالسهاد … ولجنبي نابياً عن وسادي

ما أذوق النوم إلا غراراً … مثل حسو الطير ماء الثماد

أبتغي إصلاح سعدى بجهدي … وهي تسعى جهدها في فسادي

فتتاركنا على غير شيءٍ … ربما أفسد طول التمادي

وأما إنشاده:

وضعن وكلهن على غرارٍ

فإن البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي

لطيخم بن أبي الطمخاء الأسدي

يمدح قوماً من الحيرة

قال أبو العباس: ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة من بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، ثم من رهط عدي بن زيد العبادي، قال:

كأن لم يكن يومٌ بزورة صالحٌ … وبالقصر ظل دائمٌ وصديق

١١ / ٣٣٦