قول ابن ميادة لرياح بن عثمان المري
الجزء ١ · صفحة ١٢ولم أراد البطحاء يمزج ماءها … شراب من البروقتين عتيق
معي كل فضفاض القميص كأنه … إذا ما سرت فيه المدام فنيق
بنو السمط و الحداء، كل سميدع … له في العروق الصالحات عروق
وإني وإن كانوا نصارى أحبهم … ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق
قال أبو العباس: أنشدني هذا الشعر أبو محلم، ثم أنشدنيه رجل نصراني يكنى أبا يحيى، شاعر من هؤلاء القوم الذين مدحوا به، وذكر أنه يذكر طخيماً، وهو يتردد إليهم ويظل عندهم. فال هذا النصراني وهو رجل من بني الحداء قال: أذكره وأنا صغير جداً، والسلطان يطلبه لقوله:
له في العروق الصالحات عروق
يقول: أتقول هذا لقومٍ من النصارى وكان هذا النصراني قد قارب مائة سنة فيما ذكر.
وقوله: " معي كل فضفاض القميص " يريد أن قميصه ذو فضولٍ، وإنما يقصد إلى ما فيه من الخيلاء، كما قال زهير:
يجرون الذيول وقد تمشت … حمياً الكأس فيهم والغناء
ويقال: إن تأويل قول رسول الله حلى الله عليه وسلم: " فضل الإزار في النار " إنما أراد معنى الخيلاء، وقال الشاعر:
ولا ينسيني الحدثان عرضي … ولا أرخي من المرح الإزارا
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:أنه قال لأبي تميمة الهجيمي: " إياك و المخيلة " فقال: يا رسول الله، نحن قومً عربٌ، فما المخيلة فقال صلى الله عليه وسلم " سبل الإزار " والحديث يعرض لما يجري في الحديث قبله، وإن لم يكن من بابه، ولكن يذكر به.
قال أبو العباس: روى لنا أن رجلاً من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام، فأنشد إبراهيم قول الشاعر:
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية … وإذا أجر إليكم سادراً رسني
فقام ذلك الرجل فرمى بشق ردائه، وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع على تلك الحال فجلس، فقال له إبراهيم بن هشام: ما بك فقال : إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت ألا أسمعه إلا جررت ردائي كما ترى، كما سحب هذا الرجل رسنه.عأما الفنيق فإنه الفحل من الإبل، وإنما أراد خطراته بذنبه من الخيلاء، فشبه الرجل من هؤلاء إذا انتشى بالفحل، وهو إذا خطر ضرب بذنبه يمنة وشأمة،قال ذو الرمة:
وقربن بالزرق الجمائل بعدما … تقوب عن غربان أوراكها الخطر
قول مخيس بن أرطاة الأعرجي
لرجل من بني حنيفة
ومن حسن الشعر ومايقرب مأخذة قول مخيس بن أرطاة الأعرجى والأعرج الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، لرجل من بني حنيفة يقال له يحيى، وكان يصير إلى امرأة في قرية من قرى اليمامة يقال لها: بقعاء: قال أبو الحسن : أنشدته عن الرياشي : " نقعاء " ، وسألت رجلاً من أهل اليمامة فصيحاً من بني حنيفة عن هذا، فقال : مانعرفة إلا " نقعاء " :
عرضت نصيحة مني ليحيى … فقال: غششتني والنصح مر
وما بى أن أكون أعيب يحيى … ويحيى طاهر الأثواب بر
ولكن قد أتاني أن يحيى … يقال عليه فى بقعاء شر
فقلت له: تجنب كل شىءٍ … يعاب عليك، أن الحرحر
فهذا كلام ليس فية فضل عن معناه، وقوله : " إن الحرحر " انما تأويلة أن الحر على الأخلاق التى عهدت فى الأحرار، ومثل ذلك:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي شعري كما بلغك، وكما كنت تعهد، وكذلك قولهم: الناس الناس، أي الناس كما كنت تعهدهم.قال أبو الحسن :ومنه قول الله عز وجل : " فغشيهم من اليم ما غشيهم " طه87 وقوله:
فقلت له تجنب كل شىء … يعاب عليك
كقول عمرو بن العاص لمعاوية حين وصف عبد الملك بن مران فقال : آخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسرالأمرين عليه إذا خولف،تارك للمراء،تارك لمقاربة اللئيم،تارك لما يعتذر منه،كقوله :
تجنب كل شىءٍ … يعاب عليك أن الحر حر
قول ابن ميادة لرياح بن عثمان المري
ومما يستحسن إنشاده من الشعر لصحة معناه،وجزالة لفظه،وكثرة تردد ضربه من المعاني بين الناس،قول ابن ميادة لرياح بن عثمان بن حيان المري،من مرة غطفان،يقوله في فتنة محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن،وكان أشار عليه بأن يعتزل القوم فلم يفعل فقتل،فقال ابن ميادة :