الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

إلى أبي موسى الأشعري

الجزء ١ · صفحة ٣

وقوله: " يهيضك " مأخوذ من قولهم: هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شيء يعنته فآذاه فكسره ثانية، أو لم يكسره، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية، ويقال:عظم مهيض، وجناح مهيض في هذا المعنى: ثم يشتق لغير ذلك، وأصله ما ذكرت لك، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما كسر يزيد بن المهلب سجنه وهرب، فكتب إليه: لو علمت أنك تبقى ما فعلت، ولكنك مسموم، ولم أكن لأضع يدي في يد إبن عاتكه. فقال عمر: اللهم إنه قد هاضني فهضه. فهذا معناه.

وقوله: " فكلكم ورم أنفه " ، يقول: امتلأ من ذلك غضباً، وذكر أنفه دون السائر كما بقال: فلان شامخ بأنفه، يريد رافع، وهذا يكون من الغضب كما قال الشاعر:

ولا يهاج إذا ما أنفه ورما

أي لايكلم عند الغضب، ويقال للمائل برأسه كبرا: متشاوس، وثاني عطفه، وثاني جيده، إنما هذا كله من الكبرياء. قال الله عز وجل : " ثاني عطفه. ليضل عن سبيل الله " الحج 9 : وقال الشامخ:

نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلاً … يهدي إلي خناه ثاني الجيد

وقوله: " أراك بارئاً يا خليفة رسول الله " يكون من برئت من المرض وبرأت، كلاهما يقال: فمن قال برئت يقول: أبرأ يافتى لا غير، ومن قال: برأت قال في المضارع: أبرأ وأبرؤ، يا فتى، مثل فرغ ويفرغ. والآية تقرأ على وجهين: " سنفرغ لكم أية الثقلان " ، الرحمن: 31، وسنفرغ: والمصدر فيهما " البرء " يا فتى

عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر

ومما روي لنا عنه رضي الله عنه حيث عهد عند موته وهو: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر. إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " الشعراء: 227 .

نصب " أي " بقوله: " ينقلبون " ، ولا يكون نصبها ب " سيعلم " لأن حروف الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت مما قبلها كما يمتنع ما بعد الألف من أن يعمل فيه ما قبله،وذلك قولك: " علمت زيداً منطلقاً " فإن أدخلت الألف قلت: " علمت أزيد منطلق أم لا " فأي بمنزلة زيد الواقع بعد الألف، ألا ترى أن معناها: أذا أم ذا. وقال الله عز وجل: " لنعلم أى الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " الكهف:12 لأن معناها: أهذا أم هذا؟ وقال تعالى : " فلينظر أيها أزكى طعاماً " الكهف:19 على ما فسرت لك، وتقول: أعلم أيهم ضرب زيداً، وأعلم أيهم ضرب زيد، تنصب أيا ب " ضرب " لأن " زيداٌ " فاعل،فإنما هذا لما بعده، وكذلك ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها، نحو: قد علمت غلام أيهم في الدار، وقد عرفت غلام من في الدار، وقد علمت غلام من ضربت، فتنصبه ب " ضربت " فعلى هذا مجرى الباب.

أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب

ومما يؤثر من هذه الآداب و يقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في أول خطبة خطبها حدثنا العتبي قال: لم أر أقل منها في اللفظ، ولا أكثر في المعنى حمد الله و أثنى عليه وأهله، وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ثم قال: أيها الناس، إنه و الله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له،ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه.ثم نزل. وإنما حسن هذا القول مع ما يستحقه من قبل الاختيار، بما عضده به من الفعل المشاكل له: " قال أبو الحسن: قد روينا هذه الخطبة التي عزاها إلى عمر بن الخطاب عن أبي بكر رضي الله عنهما، وهو الصحيح.

رسالة عمر في القضاء

إلى أبي موسى الأشعري

٣ / ٣٣٦