جماعة استجاروا بقبر غالب
الجزء ١ · صفحة ١٣٠فأناب القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردّت إليه، وغن اختارت صاحبها تركت عليه. فكلّهن اختارت أباها، إلا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو بن المشمرج، فنذر قيس ألاّ تولد له ابنةٌ إلا قتلها. فهذا شيء يعتلّ به من وأد، ويقول: فعلناه أنفةً، وقد أكذب ذلك بما أنزل الله تعالى في القرآن. وقال ابن عباس رحمة الله في تأويل هذه الآية: وكانوا لا يورثون، ولا يتخذون إلا من طاعن بالرّمح ومنع الحريم يريد الذّكران.
وفود صعصعة بن ناحية على رسول الله
وروت الرواة: إن صعصة بن ناجية لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، إني كنت أعمل عملاً في الجاهلية أفينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشرا وين، فركبت جملاً، ومضيت في بغائهما. فرفع لي بيتٌ حريدٌ، فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين، فقال: ما نارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، فقال: هما عندي وقد أحيا الله بهما قوماً من أهلك، من مضر. فجلست معه ليخرجا إليّ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان سقباً شاركنا في أموالنا وإن كانت حائلاً وأدناها. فقالت العجوز: وضعت أنثى! فقلت أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟، قلت، إنما اشتري منك حياتها، ولا أشتري رقّها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والحمل، قال: قلت: ذاك لك، على أن يبلّغني الجمل وإيّاها. قال : ففعل، فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنّةٌ في العرب، على أن أشتري كل موءودة فقد أنقذها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً ثبت عليه " .
وكان ابن عباس يقرا: " وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت " التكوير:8 - 9 . وقال أهل المعرفة في قول الله عزّ وجل : " وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت " إنما تسأل تبكيتاً لمن فعل ذلك بها، كما قال الله تعالى: " يا عيسى ابن مريم ء أنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله " المائدة:116.وقوله:وئدت، إنما هو أثقلت بالتراب، يقال للرجل: اتّئد أي تثبّت. وتثقّل، كما يقال: توفّر، قال قصيرٌ صاحب جذيمة:
ما للجمال مشيهاً وئيداً … أجندلآً يحملن أم حديدا
أم صرفاناً بارداً شديداَ، وقوله: أضللت ناقتين عشرا وين، أضللت، ضلّتا مني، وتحقيقه: صادفتهما ضالتين، كما قال:
أو وجد شيخ أضلّ ناقته … حين تولىّ الحجيج فاندفعوا
والعشراء:الناقة التي قد ا أتى عليها منذ حملت عشرة أشهر، وإنما حمل الناقة سنةٌ.وقوله:ما نارهما؟ يريد ما وسمهما؟ كما قال:
قد سقيت آبالهم بالنّار … والنّار قد تشفي من الأوار
أي عرف وسمهم فلم يمنعوا الماء.وقوله: فإذا بيت حريد،يقول: متنحّ عن الناس، وهذا من قولهم: انحرد الجمل، إذا تنحى من الإناث فلم يبرك معها، ويقال في غير هذا الموضع:حرد حردة، أي قصده، قال الراجز:
قد جاء سيلٌ جاء من أمر الله … يحرد حرد الجنة المغلّة
وقالوا في قوله عزّ وجل: " وغدوا على حريد قادرين " القلم 25 ،أي: على قصدٍ كما ذكرنا. وقالوا: هو أيضاً على منع ، من قولهم: حاردت الناقة إذا منعت لبنها، وحاردت السّنة إذا منعت مطرها، والبعير الحرد: هو الذي يضرب بيده، وأصله الامتناع من المشي. وأما قوله:
.................................... … وقبرٌ بكاظمة المورد
إذا ما أتى قبره خائفٌ … أناخ على القبر بالأسعد
فإنه يعني قبر أبيه غالب بن صعصعة بن ناحية، وكان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه، وكان أبوه جواداً شريفاً. ودخل الفرزدق البصرة في إمرة زياد، فباع إبلاً كثيرة وجعل يصرّ أثمانها، فقال له رجل: إنك لتصرّ أثمانها، ولو كان غالب بن صعصعة ما صرّها. ففتح الفرزدق تلك الصّرر ونثر المال. وبلغ الخبر زياداً فطلبه، فهرب الفرزدق، وله في هربه حديث طويل، واستجارته بسعيد بن العاس بالمدينة، نذكره بعد هذا عن شاء الله.
جماعة استجاروا بقبر غالب