الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لأبي خراش وكان قد قتل أخاه جميل بن معمر

الجزء ١ · صفحة ١١٩

من أخبار سوار بن عبد الله

فحدثني شيخ من الأزد حديثاً ظننت أن عبيد الله إياه قصد، قال: تقدم رجل إلى سوّار بن عبد الله وسوّار ابن عم عبيد الله بن الحسن - يدّعي داراً، وامرأةٌ تدافعه وتقول لسوّار: إنها والله خطّةٌ ما وقع فيها كتاب قط. فأتى المدعي بشاهدين يعرفهما سوّار، فشهدا له بالدار، وجعلت المرأة تنكر إنكاراً يعضده التصديق، ثم قالت: سل عن الشهود، فإن الناس يتغيرون، فردّ المسألة، فحمد الشاهدان. فلم يزل يريّث أمولاهم، ويسأل الجيران، فكلّ يصدّق المرأة، والشاهدان قد ثبتا، فشكا ذلك إلى عبيد الله. فقال له عبيد الله: أنا أحضر مجلس الحكم معك فآتيك بالجليّة إن شاء الله تعالى، فقال للشاهدين: ليس للقاضي أن يسألكما كيف شهدتما، ولكن أنا أسألكما. قال : فقالا: أراد هذا أن يحجّ فأدارنا على حدود الدار من خارج، وقال: هذه داري، فإن حدث بي حادث فلتبع ولتقسم على سبيل كذا، قال: أفعندكما غير هذه الشهادة؟ قالا: لا، فقال: الله أكبر!وكذا ولو أدرتكما على سوّار، وقلت لكما مثل هذه المقالة، أكنتما تشهدان بها لي؟ ففهما أنهما قد اغترّا، فكان سوّار إذا سأل عن عدالة الشاهد غفلة فاختبره بهذا وما أشبهه.وحدثني أحد أصحابنا أن رجلاً من الأعراب تقدم إلى سوّار في أمر فلم يصادف عنده ما يحبّ، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي، وكانت في يده عصاً:

رأيت رؤيا ثمّ عبّرتها … وكنت للأحلام عبّارا

بأنّني أخيط في ليلتي … كلباً فكان الكلب سوّار

ثم انحنى على سوّار بالعصا فضربه حتى منع منه، قال: فما عاقبه سوّار بشيء.

قال: وحدّثت أن أعرابياً من بني العنبر سار إلى سوّار فقال: عن أبي مات وتركني وأخاً لي - خطين في الأرض - ثم قال: وهجينا - وخط خطّا ناحية - فكيف نقسم المال؟ فقال: أههنا وراثٌ غيركم؟ قال: لا، قال: المال بينكم أثلاثاً، فقال: لا أحسبك فهمت عني! إنه تركني وأخي وهجيناً لنا، فقال سوّار: المال بينكم اثلاثاً، قال: فقال الأعرابي: أيأخذ الهجين كما آخذ، وكما يأخذ أخي! قال: أجل! فغضب الأعرابي، قال: صم أقبل على سوّار فقال:تعلم والله إنك قليل الخالات بالدّهناء، فقال سوّار: إذا لا يضيرني ذلك عند الله شيئاً.

أنفة عقيل بن علفة

وكان عقيل بن علّفة من المغيرة والأنفة على ما ليس عليه أحدٌ علمناه، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات فقال: أما إذ كنت فاعلاً فجنّبني هجاءك.وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة - وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض - فردّه عقيلّ وقال:

رددت صحيفة القرشيّ لما … أبت أعراقه إلاّ احمرارا

وكانت حفصة بنت عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله قد ميت عنها، فخطبها جماعة من قريش، أحدهم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأحدهم إبراهيم بن هشام، فكان أخوها محمد بن عمران،إذا دخل إلى إبراهيم بن هشام أوسع له وأنشده:

وقالوا يا جميل أتى أخوها … فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب

أحبك أن نزلت جبال حسمى … وأن ناسبت بثينة من قريب

وهذا الشعر لجميل بن عبد الله بن معمر الذري ، فأما جميل بن معمرٍ الجمحيّ فلا نسب بينه وبين معمر، أي ليس بينه و بين أبٌ آخر، وكانت له صحبةٌ، وكان خالصاٌ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب

ويروى عن عبد الرحمن عوف أنه قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رحمه الله، فسمعه ينشد بالرّكبانيّة:

وكيف ثواني بالمدينة بعدما … قضى وطرأ منها جميل بن معمر

فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ماقلت؟ فقلت: نعم!فقال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.

قال ش: وهم أبو العباس رحمه الله في هذا، وإنما القصة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي سمععبد الرحمن بن عوف ينشد:

لأبي خراش وكان قد قتل أخاه جميل بن معمر

وكان جميل بن معمر الجمحيّ قتل أخا لبي خراش الهذلي يوم فتح مكة وأتاه من ورائه وهو موثق، فضربه، ففي ذلك يقول أبو خراش:

١١٩ / ٣٣٦