من بني العنبر فلم يقروه
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وأحسن ما قيل في هذا المعنى:
يغضي حياءً ويغضي من مهابته … فما يكلّم إلا حين يبتسم
وقال الفرزدق، يعني يزيد بن المهلب:
وإذا الرّجال رأوا بزيد رأيتهمخضع الرّقاب نواكس الأبصار وفي هذا البيت شيء من يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتاً على فواعل،لئلا يلتبس بالمؤنث، لا يقولون: ضارب وضوارب،وقاتل وقواتل،لأنهم يقولون في جمع ضاربة: ضوارب،وقاتلة: قواتل، ولم يأت ذلك إلا في حرفين: إحداهما في جمع فارس: فوارس، لأن هذا مما لا يستعمل في النساء فأمنوا الالتباس ، ويقولون في المثل : هو هالك في الهوالك، فاجروه على اصله فقال: نواكس الأبصار،ولا يكون مثل هذا أبداً إلا في ضرورة.
باب
لجرير وقد نزل بقوم
من بني العنبر فلم يقروه
قال جرير ونزل بقوم من بني العنبر بن تميم فلم يقروه حتى اشترى منهم القرى فانصرف وهو يقول:
يا مالك بن طريفٍ إنّ بيعتكم … رفد القرى مفسدّ للديّن والحسب
قالوا نبيعكه بيعاً فقلت لهم … بيعوا الموالي واستحيوا من العرب
لولا كرام طريفٍ ما غفرت لكم … بيعي قراي ولا أنسأتكم غضبي
هل أنتم غير أو شابٍ زعانفهٍ … ريش الذّنابى وليس الرأس كالذّنب
وقوله: يا مالك بن طريف فمن نصب، فإنما هو على انه جعل ابناً تابعاً لما قبل، كالشيء الواحد، وهو اكثر في الكلام إذا كان اسماً علماً منسوباً إلى اسم علم،ابن مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد، ومثل ذلك:يا حكم بن المنذر بن الجارود، ومن وقف على الاسم الأول ، ثم جعل الثاني نعتاً لم يكن في الأول إلا الرفع، لنه مفرد نعت بمضاف، فصار كقولك: يا زيد ذا الجمة. وقوله ولا أنساكم غضبي، يقول : لم أؤخره عنكم، يقال:نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك، والنّسيء من هذا ، ومعناه تأخير شهر عن شهر، وكانت النّسأة من بني مدلج بن كنانة ، فأنزل الله عز وجلّ " إنما النّسىء زيادةٌ في الكفر " التوبة37 لأنهم كانوا يؤخرون الشهور، فيحرمون غير الحرام، ويحلّون غير الحلال، لما يقدّرونه من حروبهم وتصرّفهم، فاستوت الشهور لمّا جاء الإسلام، وأبان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " إن الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السّموات والأرض " وقوله: هل انتم غير أو شابٍ زعانفةٍ، فالأشابة جماعة تدخل في قوم وليست منهم، وإنما هو مأخوذ من المر الأشب، أي المختلط، ويزعم بعض الرواة ان اصله فارسي أعرب، يقال بالفارسية: وقع القوم في آشوب أي في اختلاط، ثم تصرّفت فقيل: تأشّب النبت، فصنع منه فعل.وأما الزّعانف فأصلها أجنحة السّمك، قال أوس بن حجر:
ومازال يفري الشدّ حتّى كأنما … قوائمه في جانبيه زعانف
وتزعم الرّواة أن ما أنفت منه جلّة الموالي هذا البيت ، يعني قول جرير:بيعوا الموالي واستحيوا من العرب، لأنه حطّهم ووضعهم ، ورأى أن الإساءة إليهم غير محسوبة عيباً. ومثل ذلك قول المنتجع لرجل من الأشراف: ما علّمت والدك؟ قال: الفرائض، قال: ذلك قول المنتجع لرجل من الأشراف: ما علّمت والدك؟ قال: الفرائض، قال: ذلك علم الموالي لا أبالك! علمهم الرجز، فإنه يهرّث أشداقهم. ومن ذلك قول الشّعبيّ ومر بقوم من الموالي يتذكرون النحو فقال، لئن أصلحتموه إنكم لأوّل أفسده! ومن ذلك قول عنترة:
فما وجدنا بالفروق أشابةً … ولا كشفاً ولادعينا موالياً
ومن ذلك قول الآخر:
يسمّوننا الأعراب العرب اسمنا … وأسماؤهم فينا رقاب المزاود