الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

ليحيى بن نوفل يهجو العريان بن الهيثم

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

يريد أسماؤهم عندنا الحمراء، وقول العرب: ما يخفى ذلك على الأسود والحمر. يريد العربيّ والعجميّ. وقال المختار لإبراهيم بن الأشتر يوم خازر وهو اليوم الذي قتل فيه عبيد الله بن زياد:إن عامّة جندك هؤلاء الحمراء، وإن الحرب إن ضرّستهم هربوا، فاحمل العرب على متون الخيل، وأرجل الحمراء أمامهم. ومن ذلك قول الأشعث بن قيس لعلي بن أبي طالب رحمه الله، وأتاه يتخطى رقاب الناس، وعليّ على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، غلبتنا هذه الحمراء على قربك، قال: فركض عليّ المنبرٌ برجله، فقال صعصعة بن صوجان العبديّ: مالنا ولهذا؟ يعني الشعث، ليقولنّ أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر، فقال عليٌّ من يعذرني من هذه الضّياطرة، يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجّر قومٌ للذّكر، فيأمرني إن أطردهم، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين، والذي فلق الحبة، وبرأ النّسمة، ليضربنّكم على الدّين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً. قوله: الضياطرة واحدهم ضيطرٌ وضيطارٌ، وهو الأحمر العضل الفاحش، قال خداش بن زهير:

وتركب خيلٌ لا هوادة بينها … وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر

وإنما قال جريرٌ لبني العنبر:هل أنتم غير أو شابٍ زعانفةٍ، لأن النّسّابين يزعمون ان العنبر بن عمرو بن تميم، إنما هو ابن عمرو بن بهراء، وأمّهم أم خارجية البجليّة التي يقال لها في المثل:أسرع من نكاح أمّ خارجة، فكانت قد ولدت في العرب في نيّفٍ وعشرين حياً من آباءٍ متفرقين، وكان يقول لها الرجل:خطبٌ؟ فتقول: نكحٌ! كذلك قال يونس بن حبيب، فنظر بنوها إلى عمرو بن تميم قد ورد بلادهم ، فأحسّوا بأنه أراد أمتهم، فبادروا إليه ليمنعوه تزوّجها، وسبقهم لأنه كان راكباً، فقال لها: إنّ فيك لبقيّة؟ فقالت:إن شئت…، فجاؤوا وقد بنى عليها، ثم نقلها بعد إلى بلده، فتزعم الرواة أنها جاءت بالعنبر معها صغيراً، وأولدها عمرو بن تميم أسيّداً والجهيم والقليب، فخرجوا ذات يوم يستقون فقلّ عليهم الماء، فأنزلوا مائحاً من تميم، فجعل المائح يملأ الدلو إذا كانت للهجيم وأسيّد والقليب، فإذا وردت دلو العنبر تركها تضطرب، فقال العنبر:

قد رابني من دلوي اضطرابها … والنّأي عن بهراء واغترابها

إلا تجيء ملأى يجيء قرابها فهذا قول النّسّابين. وبروى أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال يوماً لعائشة رحمها الله، وقد كانت نذرت أن تعيق قوماً من ولد إسماعيل، فسبي قوم من بني العنبر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سرّك ان تعتقي الصميم من ولد إسماعيل فأعتقي من هؤلاء " . فقال النّسّابون: فبهراء من قضاعة، وقد قيل قضاعة من بني معدّ، فقد رجعوا إلى إسماعيل.

ومن زعم أن قضاعة من بني مالك بن حمير وهو الحق قال: فالنسب الصحيح في قحطان الرّجوع إلى إسماعيل وهو الحق وقول المبّرزين من العلماء: غنما العرب المتقدمة من أولاد عابر، ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهموالعماليق، فاما قحطان عند أهل العلم، فهو ابن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذار بن إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فقد رجعوا إلى إسماعيل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم من خزاعة وقيل من الأنصار: " ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً " .

ليحيى بن نوفل يهجو العريان بن الهيثم

قال يحيى بن نوفل: يهجو العريان بن الهيثم بن الأسود النّخعيّ، وكان العريان تزوج زباد من ولد هانئ بن فبيصة الشيباني، وكانت عند الوليد بن عبد الملك فطلقها، فتزوجها العريان، وكان ابن نوفل له هجّاءً، فقال:

أعريان ما يدري امرؤ سيل عنكم … أمن مذحجٍ تدعون أم من إياد!

فإن قلتم من مذحج إنّ مذحجاً … لبيض الوجوه غير جدّ جعاد

وانتم صغار الهام حدلٌ كأنما … وجوهكم مطليّةٌ بمداد

فإن قلتم الحيّ اليمانون أصلنا … وناصرنا في كل يوم جلاد

فأطول بأيرٍ من معدّ ونزوةٍ … نزت بإيادٍ خلف دار مراد

لعمر بني شيبان إذ ينكحونه … زباد لقد ما قصّروا بزياد

أبعد الوليد أنكحوا عبد مذحجٍ … كمنزيةٍ عيراً خلاف جواد

١٢٣ / ٣٣٦