شعر ذي الرمة في بلال
الجزء ١ · صفحة ١٢٠فأقسم لو لاقيته غير موثقٍ … لآ بك بالعرج الضّباع النّواهل
لكان جميل أسوأ النّاس صرعةً … ولكنّ أقران الظهور مقاتل
فليس كعهد الدّار يا أم مالكٍ … ولكن أحاطت بالزقاق السّلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل … سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل
قوله:أسوء الناس صرعة، أي الهيئة التي يصرع عليها كما تقول: جلست جلسة وركبت ركبة، وهو حسن الجلسة والرّكبة، أي الهيئة التي يجلس عليها ويركب عليها، وكذلك القعدة والنّيمة. وقوله لآبك، أي لعادك، وأصل هذا من الإياب و الرّجوع، قال الله تبارك وتعالى: " إنّ إلينا إياهم " الغاشية25،وقال عبيد بن الأبرص: وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب وقوله:بالعرج، فهو ناحية من مكة، به ولد عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفّان، فسمّي العرجيّ، ويقال: بل كان له مال بذلك الموضع، فكان يقيم فيه.
وقال ش: هذا وهم من أبي العباس رحمه الله، وأما صوابه فعبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والنّواهل فيه قولان:أحدهما العطاش وليس بشيء والآخر الذي قد شرب شربةً فلم يرو، فاحتاج إلى ان يعلّ، كما قال امرؤ القيس:
إذا هنّ أقساطٌ كرجل الدّبى … أو كقطا كاظمة النّاهل
وقوله: احتطت بالرقاب السلاسل، يقول: جاء الإسلام فمنع من الطلب بالأوتار إلا على وجهها. وكان أمير البصرة وقاضيها، وفي ذلك يقول رؤية: وأنت يا ابن القاضيين قاض،وكان بلال يقول: عن الرجلين ليقدّمان إليّ فأجد أحدهما على قلبي أخفّ فاقضي له.
بلال بن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز
ويروى أن بلالاً وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فسدك " ش: معناه لصق " بساريةٍ من المسجد، فجعل يصلّي إليها ويديم الصلاة، فقال عمر بن عبد العزيز للعلاء بن المغيرة بن البندار: عن يكن سرّ هذا كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع ، فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فاتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء، فقال: اشفع صلاتك فإن لي إليك حاجةً، ففعل، فقال العلاء: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لي؟ قال: عمالتي سنة، وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم، قال: فاكتب لي بذلك، قال: فارقدّ بلال إلى منزله، فأتى بداوة وصحيفة فكتب له بذلك.
فأتى العلاء عمر بالكتاب، فلما رآه، كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان والي الكوفة أما بعد: فإن بلالاً غرّنا بالله، فكدنا نغترّ، فكسبناه فوجدناه خبثاً كلّه، والسلام.ويروى أنه كتب إلي عبد الحميد: إذا ورد عليك كتابي هذا فلا تستعن على عملك بأحد من آل أبي موسى.
شعر ذي الرمة في بلال
قال أبو العباس: وكان بلال داهيةً لقناً أدبياً، ويقال: إن ذا الرّمة لمّا أنشده:
سمعت، النّاس ينتجعون غيثاً … فقلت لصيدح انتجعي بلالاً
تناخي عند خير فتى يمانٍ … إذا النّكباء ناوحت الشّمالاً
فقلت سمع قوله: فقلت لصيدح انتجعي بلالا،قال: يا غلام، مر لها بقتّ ونوىّ، أراد أن ذا الرّمّة لايحسن المدح.
قوله:سمعت الناس ينتجعون حكاية، والمعنى إذا حقّق إنما هو سمعت هذه اللفظة، أي قائلاً يقول: الناس ينتجعون غيثاً، ومثل هذا قوله:
وجدنا في كتاب بني تميمٍ … أحقّ الخيل بالرّكض المعار
فمعناه: وجدناه هذه اللفظة مكتوبة، فقوله: " أحق الخيل " ابتداء، " والمعار " خبره، وكذلك " الناس " ابتداء،و " ينتجعون " خبره. ومثل هذا في الكلام : قرأت " الحمد لله رب العالمين " ، إنما حكيت ما قرأت، وكذلك قرأت على خاتمه " الله أكبر " يا فتى، فهذا لا يجوز سواه. وقوله: " إذا النكباء ناحت الشّمالا " فإن الرياح أربع، ونكباواتها أربع، وهي الريح التي تأتي من بين ريحين فتكون بين الّمال والصّبا، أو الشّمال والدّبور، أو الجنوب والدّبور،أو الجنوب والصّبا، فإذا كانت النّكباء تناوح الشمال فهي آية الشتاء. ومعنى " تناوح " تقابل، يقال: تناوح الشّجر إذا قابل بعضه بعضاً، وزعم الأصمعي أن النائحة بهذا سمّيت، لأنها تقابل صاحبتها.
وقال يحيى بن نوفل الحميريّ ويقال إنه لم يمدح أحداً قط: