الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

إغارة النعمان بن المنذر على تميم

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

وأما معبد بن زرارة فإن قيساً أسرته يوم رحرحان، فساروا به إلى الحجاز فأتى لقيطٌ في بعض الأشهر الحرم ليفيه، فطلبوا منه ألف بعير فقال لقيط: إنّ أبانا أمرنا أن لانزيد على المائتين، فتطمع فينا ذؤبان العرب، فقال معبد: يا أخي، افدني بمالي فإني ميتٌ. فأبى لقيطٌ، وأبى معبد أن يأكل أو يشرب، فكانوا يشحون فاه، ويصبّون فيه الطعام والشراب لئلا يهلك فيذهب فداؤه، فلم يزل كذلك حتى مات، فقال جرير يعيّر الفرزدق وقومه بذلك:

تركتم بوادي رحرحان نساءكم … ويم الصّفا لاقيتم الشعب أوعرا

سمعتم بني مجدٍ دعوا يا ل عامر … فكنتم نعاماً عند ذاك منقّرا

وأسلمت القلحاء في الغل معبداً … ولاقى لقيط حتفه فتقطّرا

قوله: سمعتم بني مجدٍ دعوا يا ل عامرٍ، يعني مجد بنت النضر بن كنانة ولدت ربيعة بن عامر بن صعصعة، وولده بنو كلاب وبنو كعب بن عامر بن ربيعة. والقلحاء لقب، والقلح ان تركب الأسنان صفرةٌ تضرب إلى السواد، ويقال لها الحبرة لشدة تأثيرها، أنشدني المازني:

لست بسعديّ على فيه حبرةٌ … ولست بعبدي حقيبته التّمر

وزعم أبو الحسن الأخفش، أن العرب تقول في هذا المعنى: في أسنانه حبرة، وليس ذلك بمعروف، ولم يأت اسم على فعل إلا إبل وإطل.وقوله:ولاقى لقيط حتفه فتقطّرا، يقال قطّره لجنبيه وقتّره، لغتان، لأن التاء من مخرج الطاء، فإن رمى به على رأسه قيل نكته. رجع التفسير إلى شعر الفرزدق الأول:أما قوله: ومنّا الذي منع الوائدات، فإنه يعني جدّه صعصعة بن ناجية بن عقالٍ، وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات، ولم يكن هذا في جميعها إنما كان في تميم بن مرّ، ثم استفاض في جيرانهم، فهذا قول واحد. وقال قوم آخرون: بل كان في تيم وقيس وأسدٍ وهذيل وبكر بن وائل، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " . وقال بعض الرواة: اشدد وطدتك، والمعنى قريب يرجع إلى الثّقل، فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، فكانوا يسمونه العلهز، ولهذا أبان الله عز وجل تحريم الدم، ودلّ على ما من أجله قتلوا البنات فقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ " الإسراء31، وقال: " ولا يقتلن أولادهنّ " الممتحنة:12، فهذا خبيرٌ بيّن ان ذلك للحاجة، وقد روى بعضهم أنهم غنما فعلوا ذلك أنفةً.

إغارة النعمان بن المنذر على تميم

وذكر أبو عبيده بن المثنّى إن تميماً منعت النعمان الإتاوة، وهي الديان، فوجه إليهم أخاه الريّان بن المنذر، وكانت للنعمان خمس كتائب، إحداها الوضائع وهم قوم من الفرس كان كسرى يضعهم عنده عدّة ومدداً، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم، فإذا كان في رأس الحول ردّهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم، وكتيبة يقال لها الشّبهاء وهي بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه، يسمّون الأشاهب. وكتيبة ثالثة يقال لها الصنائع وهم صنائع الملك أكثرهم من بكر ين وائل. وكتيبة رابعةٌ يقال لها الرهائن وهم قوم كان يأخذهم من كل قبيلة فيكونون رهناً عنده ثم يوضع مكانهم مثلهم. والخامسة دوسر وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرساناً وشجعاناً من كل قبيلة، فأعزاهم أخاه، وجلّ من معه بكربن وائل، فاستاق النّعم وسبى الذّراريّ، وفي ذلك يقول أبو المشمرج اليشكريّ:

لمّا رأوا راية النعمان مقبلةً … قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن

يا ليت أمّ تميم لم تكن عرفت … مرّا وكانت كمن أودى به الزمن

إن تقتلونا فأعيارٌ مجدّعةٌ … أو تنعموا فقديماً منكم المنن

منهم زهير وعتّابٌ ومحتضرٌ … ابنا لقيط وأودى في الوغى قطن

يقول النعمان في جواب هذا:

لله بكرٌ غداة الرّوع لو بهم … أرمى ذرا حضنٍ زالت بهم حضن

إذ أرى أحداً في النّاس أشبههم … إلاّ فوارس خامت عنهم اليمن

وهذا هبر طويل، فوفدت إليه بنو تميم فلما رآها أحب البقيا ، فقال:

ما كان ضرّ تميماً لو تغمّدها … من فضلنا ما عليه قيس عيلان

١٢٩ / ٣٣٦