الحجاج بن يوسف وسعيد بن جبير
الجزء ١ · صفحة ١٣٣قال أبو العباس : قال الليثيّ: اعتق سعيد بن العاصي أبا رافع إلا سهماً واحداً فيه، من أسهم لم يسمّ عددها لنا، فاشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك السهم فاعتقه. وكان لأبي رافع بنون أشراف، منهم عبيد الله بن رافع، وحديثه أثبت الحديث عليّ بن أبي طالب، وكان كالكاتب له، وكان عبيد الله بن أبي رافع شريفاً، وكان عبيد الله ينسب إلى ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ولي عمرو بن سعيد الأشدق المدينة لم يعمل شيئاً قبل إرساله إلى عبيد الله بن أبي رافع، فقال له: مولى من أنت؟ فقال: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبرزه فضربه مائة سوطٍ، ثم قال له: مولى من أنت؟ فقال: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربه مائة أخرى. فلما رأى عبد الله غير راجع، وأن عمراً قد ألحّ عليه في ضربه، قام إلى عمروٍ فقال له: اذكر الملح، فأمسك عنه. والملح ههنا اللّبن، يريد الرّضاع، كما قال أبو الطّمحان القينيّ:
وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم … وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
كذا وقعت الرواية، والصواب أغير لأن قبله:
ولو علمت صرف البيوع لسرّها … بمكّة أن تبتاع حمضاً بإذخر
قاله ش وكما قال الآخر:
لا يبعد الله ربّ العباد … والملح ما ولدت خالدة
ويروى أن عبيد الله بن أبي رافع أتى الحسن بن عليّ بن أبي طالب فقال:أنا مولاك، فقال في ذلك مولى لتمّام بن عبد المطّلب، يعذله ويعيّره:
جحدت بني العباس حقّ أبيهم … فما كنت في الدّعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارث … يحوز ويدعى والداً في المناسب!
يريد انّ العباس أولى بولاء مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن العمّ مدعوٌّ والداّ في كتاب الله تعالى، وهو يحوز الميراث.وقال رجلٌ من الثّقفيّين: أنشدت مروان بن أبي حفصة هذين البيتيتن، فوقع عندي أنه من هذا أخذ قوله:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن … لبني البنات وراثة الأعمام
ألغى سهامهم الكتاب فما لهم … ان يشرعوا فيه بغير سهام
وقال طاهر بن عليّ بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس للطالبيين:
لو كان جدّكم هناك وجدّنا … فتنازعا فيها لوقت خصام
كان التّراث لجدّنا من دونه … فحواه بالقربى وبالإسلام
حقّ البنات فريضةٌ معروفةٌ … والعمّ أولى من بني الأعمام
وذكر الزّبيريون عن ابن الماجشون قال: جاءني رجل من ولد أبي رافع، فقال: إنّي قد قاولت رجلاً من موالي بعض العرب، فقلت: أنا خيرٌ منك، فقال: بل أنا خير منك، فما الذي يجب لي عليه؟ فقلت: ليس في هذا شيء، فقال: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعم أنه خير مني! قال: قلت:قد يتصرّف هذا على غير الحسب، قال: فلما رآني لا أٌقضي له بشيء قال لي: أنت دافع مغرماً لأن ولائي ولاء عنده ليس في موضعٍ مرضيّ؟ قال وصدق: في بني تيمٍ لتيمٍ من هو أشرف ولاء منّي.
أسامة بن زيد يقاول عمرو بن عثمان
وحدثت أن أسامة بن زيد قاول عمرو بن الخطاب في أمر ضيعة يدّعيها كلّ واحدٍ منهما، فلجّت يهما الخصومة، فقال عمرو: يا أسامة، أتأنف أن تكون مولاي! فقال أسامة: والله ما يسرّني بولائي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبك! ثم ارتفعا إلى معاوية، فلجّا بين يديه في الخصومة، فتقدم سعيد بن العاصي إلى جانب عمرو، فجعل يلقّنه الحجة، فتقدم الحسن إلى جانب أسامة يلقّنه، فوثب عتبة بن أبي سفيان، فصار مع عمرو، ووثب الحسين فصار مع أسامة، فقام عبد الرحمن ابن أم الحكم، فجلس مع عمرو، فقام عبد الله بن العباس فجلس مع أسامة، فقام الوليد بن عقبة فجلس مع عمرو، فقام عبد الله بن جعفر فجلس مع أسامة، فقال معاوية: الجليّة عندي حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقطع هذه الضّيعة أسامة. فانصرف الهاشميون، وقد قضي لهم، فقال الأمويون لمعاوية: هلاّ إذ كانت هذه القضية عندك بدأت بها قبل التحزّب، أو أخّرتها عن هذا المجلس! فتكلم بكلام يدفعه بعض الناس.
الحجاج بن يوسف وسعيد بن جبير