الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

باب أبو رافع مولى الرسول عليه السلام

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

ولسيبويه فيه تمثيل ، والذي ذكرت أبين منه، وهو مترجم عما قال، غير مناقض له . وإن كان الأول منفياً جاز البدل والنصب، والبدل أحسن، لأن الفعل الظاهر أولى بأن يعمل من المختزل الموجود بدليل، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، والفصل بين المنفي والموجب، أن المبدل من الشيء يفرّغ له الفعل، فأنت في المنفي إذا قلت: ما جاءني إلا زيدٌ، لأنه بدل من أحد، و الموجب لا يكون فيه البدل، لأنك إذا قلت : جاءني إخوتك إلا زيداً، لم يجز حذف الأول، لا نقول: جاءني إلا زيد، وإن شئت إن تقول في النفي: ما جاءني أحد إلا زيد جاز، ونصبه بالاستثناء الذي شرحت لك في الواجب. والقراءة الجيدة " ما فعلوه إلا قليلٌ منهم " النساء:66، وقد قرئ " إلا قليلاً منهم " البقرة:429، على ما شرحت لك في الواجب، والقراءة الأولى.فإذا قدّمت المستثنى بطل البدل، لأنه ليس قبله شيء يبدل منه، فلم يكن فيه إلا وجه الاستثناء، فتقول: ما جاءني إلا أباك أحدٌ، وما مررت إلا أباك بأحدٍ. وكذلك تنشد هذه الأشعار، قال كعب بن مالك الأنصاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

الناس ألبٌ علينا فيك ليس لنا … إلا السّيوف وأطراف القنا وزر

وقال الكميت بن زيد:

فمالي إلا آل أحمد شيعةٌ … ومالي إلا مشعب الحق مشعب

لا يكون إلا هذا، وليونس قول مرغوب عنه، فلذلك لم نذكره.

وقوله: فقال لي استقدم أمامك، مخبرٌ عن الميّت بالقول، فإن العرب وأهل الحكمة من العجم تجعل كلّ دليل قولاً، فمن ذلك قول زهير:أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلّم، وإنما كلامها عنده ان تبين بما يرى من الآثار فيها، من قدم أهلها وحدثان عهدهم. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: هلاّ وقفت على المعاهد والجنان، فقلت: أيها الجنان، من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوراً أجابتك اعتباراً! وأهل النظر يقولون في قول الله عزّ وجل: " قالتا أتينا طائعين " فصلت:11، لم يكن كلامٌ، غنما فعل عزّ وجل ما أراد فوجد، قال الراجز:

قد خنق الحوض وقال قطني … سلا رويداً قد ملأت بطني

ولم يكن كلامٌ، إنما وجد ذلك فيه. وكذلك قوله:

فقال لي استقدم أمامك إنما … فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر

أي: قد جرّب مثل هذا منك في المستجير بقبره.

لهو النعمان بن المنذر

وحدثني العباس بن الفرج الرّياشيّ في إسنادٍ قد ذهب عني أكثره، قال: نزل النعمان بن المنذر ومعه عدّي بن زيد في ظلّ شجرةٍ مونقةٍ، ليلهو النّعمان هناك، فقال له عدّي بن زيد: أيها الملك، أبيت اللّعن! أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: وما لذي تقول؟ قال: تقول:

من رآنا فليحدث نفسه … أنه موفٍ على قرن زوال

وصرف الدهر لا يبقى لها … ولما تأتي به صم الجبال

ربّ ركبٍ قد أناحوا حولنا … يمزحون الخمر بالماء الزّلال

والأباريق عليها فدمٌ … وجياد الخيل تردي في الجلال

عمروا الدهر بعيشٍ حسنٍ … قطعوا دهرهم غير عجال

ثم أضحوا عصف الدّهر بهم … وكذلك الدّهر حالاً بعد حال

قال: فتنغّص النعمان.وهذا في الأمثال كثيرٌ، وفي الأشعار السائرة. وأما قوله حكمك مسمّطاً فإعرابه أنه أراد: لك حكمك مسمّطاً، واستعمل هذا فكثر، حتى حذف استخفافاً، لعلم السامع بما يريد القاتل، كقولك: الهلال والله، أي: هذا الهلال، أغنى عن قوله: هذا، القصد والإشارة. وكان يقال لرؤبة: كيف أصبحت؟ فيقول: خير عافاك الله. فلم يضمر حرف الحفض، ولكنه حذف لكثرة الاستعمال. والمسمّط: المرسل غير المردود. والكوماء: العظيمة السّنام.

باب أبو رافع مولى الرسول عليه السلام

١٣٢ / ٣٣٦