الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

هرب العديل من الحجاج

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

وكان الذي اعتدّ بعه ا لحجاج بن يوسف على سعيد بن خبير لمّا أتي بهخ إليه بعد القضاء أمر ابن الأشعث، وكان سعيدٌ عبداً لرجل من بني أسد بن خزيمة، فاشتراه سعيد بن العاصي في مائة عبدٍ فاعتقهم جميعاً، فقال له الحجّاج: يا شقي بن كسيرٍ، أما قدمت الكوفة، وليس يؤم بها إلا عربيّ فجعلتك إماماً! قال: بلى، قال: أفما ولّيتك القضاء فضجّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح القضاء إلا لعربي، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الشعري وأمرته ألا يقطع أمراً دونك! قال: بلى، قال: أو ما جعلتك في سمّارى وكلهم من رؤوس العرب! قال:بلى، قال: أو ما أعطيتك مائة ألف درهم لتفرّقها في أهل الحاجة، ثم لم أسألك عن شيء منها! قال: بلى، قال: فما أخرجك عليّ ؟ قال:بيعةٌ كانت لابن الأشعث في عنقي، فغضب الحجّاج، ثم قال:أفما كانت بيعة أمير المؤمنين بعد الملك في عنقك قبل؟ والله لأقتلنّك، يا حرسيّ، اضرب عنقه. ونظر الحجّاج فإذا جلّ من خرج مع عبد الرحمن، من الفقهاء وغيرهم، من الموالي، فأحبّ ان يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب، ويخلطهم بأهل القرى والأنباط. فقال: إنما الموالي علوج، وإنما أتي بهم من القرى، فقراهم أولى بم، فأمر بتسييرهم من الأمصار وإقرار العرب بها، وأمر ان ينقش على يد كل إنسان منهم اسم قريته. وطالت ولايته. فتوالد القوم هناك، فخبثت لغات أولادهم، وفسدت طبائعهم. فلمّا قام سليمان بن عبد الملك اخرج من كان في سجن الحجّاج من ا لمظلومين، فيقال إنه أخرج في يوم واحدٍ ثمانين ألفاً، وردّ المنقوشين، فرجعوا في صورة الأنباط، ففي ذلك يقول الراجز:

جاريةٌ لم تدر ما سوق الإبل … أخرجها الحجّاج من كنّ وظل

لو كان بدرٌ حاضراً وابن حمل … ما نقشت كفّاك في جلد جلل

وقال شاعرٌ لأهل الكوفة لمّا استقضي عليها نوح بن درّاج:

يا أيّها الناس قد قامت قيامتكم … إذ صار قاضيكم نوح بن درّاج

لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت … كفّاه ناجيةً من نقش حجّاج

ويروى عن حسّان، المعروف بالنبطيّ صاحب منارة حسّان في البطيحة قال: أريت الحجّاج فيما يرى النائم، فقلت: أصلح الله الأمير! ما صنع الله بك؟ فقال: يا نبطيّ، أهذا عليك! قال: فرأيتنا لانفلت من نقشه في الحياة، ومن شتمه بعد الوفاة! ويروى عن حسان أ،ه قصّ هذه الرؤيا على محمد ين سيرين، فقال له ابن سيرين: لقد رأيت الحجّاج بالصّحة.

حديث الجحاف والأخطل

قال أبو العباس: وحدّثت من ناحية الزّبيريين أن الجحّاف بن حكيم دخل على عبد الملك، والأخطل عنده، فلما بصر به الأخطل قال:

ألا أبلغ الجحّاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبت من سليم وعامر!

فقال الجحّاف:

بلى سوف نبكيهم بكل مهنّد … ونبكي عميراً بالرماح الخواطر

ثم قال: يا ابن النّصرانيّة، ما ظننتك تجترىء عليّ بمثل هذا ولو كنت مأسوراً لك! فحمّ الأخطل خوفاً، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه، فقال: يا أمير المؤمنين، هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجبرني مكنه في النّوم! ومن هذا أو نحوه أخذ السّلميّ قوله: قال أبو الحسن: هو أشجع السّلميّ يقوله للرشيد:

وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمدٍ … رصدان ضوء الصّبح والإٌظلام

فإذا تنبّه رعته وإذا هدا … سلّت عليه سيوفك الأحلام

هرب العديل من الحجاج

وكان العديل بن الفرخ العجليّ هارباً، فجعل لا يحلّ ببلدة إلاّ ريع لأثر يراه من آثار الحجّاج فيهرب، حتى أبعد، ففي ذلك يقول العديل:

فلو كنت في سلمى أجا وشعابها … لكان لحجّاجٍ عليّ دليل

بنى قبّة الإسلام حتّى كأنّما … أتى الناس من بعد الضّلال رسول

أجأ وسلمى: جبلاً طيّىء، وأجأ مهموز، وغنما هو أجا مقصورٌ، فاعلم، قال زيد الخيل:

جلبنا الخيل من أجإ وسلمى … تخبّ نزائعاً خبب الذّئاب

والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمزة قلبها، إن كانت الهمزة مكسورة جعلها على حركة ما قبلها، وإن كانت مفتوحة وقبلها فتحةٌ جعلها ألفاً، وإن كان مفتوحة وقبلها كسرةُ جعلها ياء، وإن كانت مفتوحة وقبلها ضمةُ جعلها واواً، قال الفرزدق:

١٣٤ / ٣٣٦