في موت ابن الحجاج وأخيه
الجزء ١ · صفحة ١٣٦وممّن هرب منه مالك بن الرّيب المازنيّ، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وفي ذلك يقول:
إن تنصفونا يال مروان نقترب … إليكم وإلاّ فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مزاحاً ومزحلا … بعيسٍ إلى ريح الفلاة صواد
ففي الأرض عن دار المذلّة مذهب … وكلّ بلادٍ أوطنت كبلادي
كذا وقعت الرواية بضم الهمزة وكسر الطاء، والأصحّ أوطنت بفتح الهمزة وفتح الطاء، قاله ش.
فماذا ترى الحجّاج يبلغ جهده … إذا نحن جاوزنا حفير زياد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسفٍ … كما كان عبداً من عبيد إياد
زمان هو العبد المقرّ بذلّةٍ … يراوح صبيان القرى ويغادي
وقال ذلك لأن الحجاج كان هو وأخوه معلّمين بالطائف، وكان لقبه كليباً، وفي ذلك يقول القائل:
أينسى كليبٌ زمان الهزال … وتعليمه سورة الكوثر
رغيفٌ له فلكه ما ترى … وآخر كالقمر الأزهر
يقول: خبز المعلّمين يأتي مختلفاُ، لأنه من بيوت صبيان مختلفي الأحوال. وأنشد أبو عثمان عمرو بنى بحر الجاحظ:
رأيت بني بحر وقد حفلوا … كأنّهم خبز بقّال وكتّاب
هذا طويلٌ وهذا حنبلٌ جحدٌ … يمشون خلف عمير صاحب الباب
وفي لقبه يقول آخر من أهل الطائف:
كليبٌ تمكّن في أرضكم … وقد كان فينا صغير الخطر
ولما دخل الحجاج مكة اعتذر إلى أهلها لقلة ما وصلهم به، فقال قائل منهم: إذن والله ونعذرك وأنت أمير العراقيين وابن عظيم القريتين!وذلك أنّ عروة بن مسعود ولده من قبل امّه. وتأويل قول الله عز وجلّ: " وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم " الزخرف:31.مجازه في العربية: على رجل مت رجلين من القريتين عظيم. القريتان: مكة والطائف، والرجلان: عروة بن مسعود، والآخر الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن ع مر بن مخزوم. ويروى إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه مرّ بقبره ومعه خالد، فقال: أصبح جمرى في النار، فأجابه خالد في ذلك بجواب غير مرضيّ.
مقتل عروة بن مسعود
وأما عروة بن مسعود فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، فرقي سطحه، فرماه رجلٌ بسهم فقتله، فلما وجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه إلى أهل مكة أبطأ عليه، فقال. " ردوا عليّ أبي، أما لئن فعلت به قريشٌ ما فعلت ثقيفٌ بعروة بن مسعود لأضرمنّها عليهم ناراً " . يقال: رقيت السطح وما كان مثله أرقاه، مثل خشيته أخشاه، كما قال الله تبارك وتعالى: " أوترقى في السّماء " الإسراء:93، ويقال: رقيت اللّديغ أرقيه، مثل رميته أميه. ويقال: ما رقأت عينه من الدمع، مهموزٌ ترقأ يا فتى، مثل قرأت تقرأ يا فتى.
في موت ابن الحجاج وأخيه
وكان الحجاج رأى في منامه ان عينيه قلعتا، فطلّق الهندين: هنداً بنت المهلّب، و هنداً بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث ان جاءه نعيّ أخيه من اليمن في ا ليوم الذي مات فيه ابنه محمدٌ، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنّا لله وإن إليه راجعون! محمّدٌ ومحمّدٌ في يوم واحدٍ!
حسبي بقاء الله من كلّ ميّت … وحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضياً … فإن شفاء النفس فيما هنالك
وقال: من يقول شعراً يسليني به؟ فقال الفرزدق: إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهما فقدان مثل محمدٍ ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهما … أخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني! فقال الفرزدق:
إنّي لباكٍ على ابني يوسف جزعاً … ومثل فقدهما للدّين يبكيني
ما سدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهما … إلا الخلائف من بعد النّبيّين
فقال له: ما صنعت شيئاً، إنما زدت في حزني، فقال الفرزدق:
لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍ … تكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهم … جناحيه لمّا فارقاه فودّعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّه … وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا