الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

شفاعة

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

غيضن من عبراتهن وقلن لي … ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟

فقال: لمن هذا؟ فقالوا: لجريرٍ، فقال الرزدق: ما أحوجه مع عفافه إلى خشونة شعري، وأحوجني مع فسوقي إلى رقةِ شعره!

الأحوص ومعبد عند عقيلة المغنية

وقال الأحوص يوماً لمعبدٍ: امض بنا إلى عقيلةَ حتى نتحدثَ إليها، ونسمع من غنائها وغناء جواريها. فمضيا، فألفيا على بابها معاذاً الأنصاري، ثم الرزرقي، وابن صائدٍ النجاري، فاستأذنوا عليها جميعاً؛ فأذنت لهم إلا الأحوص، فإنها قالت: نحن غضابٌ على الأحوص، فانصرف الأحوص وهو يلومُ أصحابه على استبدادهم، فقال:

ضنت عقيلةُ لما جئتُ بالزادِ … وآثرت حاجةَ الثاوي على الغادي

فقلت: والله لولا أن تقول له قد باح بالسرِّ أعدائي وحسادي

قلنا لمنزلها: حييتَ من طللٍ … وللعقيق: ألا حييت َمن وادي!

إني جعلتُ نصيبي من مودتها … لمعبدٍ ومعاذٍ وابن صيادِ

لابن اللعين الذي يخبا الدخانُ له … وللمغني رسولِ الزور قوادي

أما معاذٌ فإني لست ذاكرهُ … كذا أجدادهُ كانوا الأجدادي

قال الزبيري: وكان معاذٌ جلداً، فخاف الأحوص أن يضربه، فحلف معبدٌ ألا يكلم الأحوص ولا يتغنى في شعره، فشق ذلك على الأحوص، فلما طالت هجرته إياه رحل نجيباً له وجعل طلاء في مذرعٍ في حقيبة رحلهِ، وأعد دنانير، ومضى نحو معبد فاناخ ببابه - ومعبد جالسٌ بفنائه - فنزل إليه الأحوص فكلمه، فلم يكلمه معبدٌ، فقال: يا أبا عبادٍ، أتهجرني! فخرجت إليه امرأته أم كردم، فقالت: أتهجر أبا محمدٍ! واللهِ لتكلمنه، قال: فاحتمله الأحوص فأخله البيت، وقال: والله لا رمت هذا البيت حتى آكل الشواء وأشربَ الطلاءَ وأسمع الغناء، فقال له معبدٌ: قد أخزى الله الأبعد، هذا الشواءَ أكلتهُ، والغناءَ سمعته، فأنى لك بالطلاء! قال: قم إلى ذلك المذرع ففيه طلاءٌ ومعه دنانيرُ، فأصلح بها ما نريدُ من أمرنا، ففعل كل ما قال: فقالت أم كردم لمعبدٍ: أتهجرُ من ن زرنا أغدرَ فينا فضلاً ونيلاً، وإن فارقنا خلف فينا عقلاً ونبلاً! فانصرف الأحوص مع العصر، فمر بين الدارين وهو يميل بين شعبتي رحلهِ.

هجاء الأحوص لسعد بن مصعب

وحدثت أن سعد بن مصعب بن الزبير تهم بامرأة في ليلة مناحةٍ أو عرسٍ، وكانت تحته ابنةُ حمزة بن عبد الله بن الزبير، فقال الأحوص - وكان بالمدينة رجلٌ يقال له: سعد النار - :

ليس بسعد النار من تذكرونه … ولكن سعد النار سعد بن مصعبِ

ألم تر أن القوم ليلةَ جمعهم … بغوهُ فألفوه لدى شرِّ مركبِ

فما يبتغي بالشرِّ لادرَّ درهُ … وفي بيتهِ مثل الغزال المرببِ!

فأمر سعدُ بن مصعب بطعام فصنعَ، ثم حملَ إلى قبابِ العربِ، وقال للأحوص - وكان له صديقاً - : تعال نمضي فنصيب منه، فلما خلا به أمر به فأوثق، وأراد ضربه، فقال له الأحوصُ: دعني، فلا والله لا أهجو زبيريا أبداً، فحله، ثم قال: إني والله ما لمتك على مزحك، ولكني أنكرتُ قولكَ:

وفي بيته مثل الغزال المرببِ

وحدثت أن ابن عتيق ذكرَ له أن المخنثين بالمدينةِ خصوا، وأنه خُصِيَ الدلال فيهم، فقال: إنا لله! أما والله لئن فعلَ ذلك به لقد كان يحسنُ:

لمن ربعٌ بذات الجي … ش أمسى دارساً خلقا

ثم أستقبل ابن أبي عتيق القبلة يصلي، فلما كبر سلمَ، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: اللهم إنه كان يحسنُ خفيفه، فأما ثقيله فلا - الله أكبر!

شفاعة

١٧٨ / ٣٣٦