إلى أبي موسى الأشعري
الجزء ١ · صفحة ٤قال أبو العباس: ومن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري وهي التي جمع فيها جمل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام،و جعل الناس بعده يتخذونها إماماً،ولا يجد محق عنها معدلاٌ، ولا ظالم عن حدودها محيصاٌ، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، و سنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس بوجهك، و عدلك، و مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، و لا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، و اليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاٌ أحل حراماٌ، أو حرم حلالاٌ. لا يمنعنك قضاءٌ قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديمٌ، و مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنةٍ،ثم اعرف الأشباه و الأمثال،فقس الأمور عند ذلك، و اعمد إلى أقربها إلى الله، و أشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمدا ينتهي إليها فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، و أجلى للعمى، المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد، و مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر، و درأ بالبينات و الإيمان. وإياك و الغلق و الضجر، و التأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق ليعظم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه كفاه الله بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل رزقه و خزائن رحمته، و السلام.
قال أبو العباس: قوله " آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك " ، يقول: سو بينهم، وتقديره: اجعل بعضهم أسوة بعضٍ، والتأسي من ذا أن يرى ذو البلاء من به مثل بلائه فيكون قد ساواه فيه، فيسكن ذلك من وجده، قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن … أعزي النفس عنه بالتأسي
يذكرني طلوع الشمس صخراً … وأذكره لكل غروب شمس
تقول: أذكره في أول النهار للغارة، وفي آخره للضيفان. وتمثل مصعب بن الزبير يوم قتل بهذا البيت:
وإن الألى بالطف من آل هاشم … تآسوا فسنوا للكرام التآسيا
وقوله " حتى لا يطمع شريف في حيفك " يقول: في ميلك معه لشرفه. وقوله: " فيما تلجلج في صدرك " يقول: تردد،وأصل ذلك المضغة والأكلة يرددها الرجل في فيه فلا تزال تتردد إلى أن يسيغها أو يقذفها، والكلمة يرددها الرجل إلى أن يصلها بأخرى، يقال للعيي: لجلاج، وقد يكون من الآفة تعتري اللسان، قال زهير:
تلجلج مضغة فيها أنيضٌ … أصلت، فهي تحت الكشح داء
وقوله: " أنيضٌ " أي لم تنضج. ومن أمثال العرب: الحق أبلج والباطل لجلج،أي يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا. وقوله: " أو ظنيناٌ في ولاءٍ أو نسب، " فهو المتهم، وأصله " مظنون " وهي ظننت التي تتعدى إلى مفعول واحد، تقول: ظننت بزيد، وظننت زيداًٌ، أي اتهمت، ومن ذلك قول الشاعر، أحسبه عبد الرحمن بن حسان:
فلا ويمين الله ما عن جناية … هجرت، ولكن الظنين ظنين
و في بعض المصاحف: " وما على الغيب بظنين " التوير 34 وإنما قال عمر رضي الله عنه ذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ملعون ملعون من انتمى إلى غير أبيه، أو ادعى إلى غير مواليه " ، فلما كانت معه الإقامة على هذا لم يرى للشهادة موضعاً.وقوله: " ودرأ بالبينات و الأيمان " إنما هو دفع، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إدرأوا الحدود بالشبهات " ،وقال الله عز وجل: " قل فادرءواعن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين " آل عمران 168 وقال: " فادرء تم فيها " البقرة 72 وأما قوله: وإياك والغلق و الضجر " فإنه ضيق الصدر، وقلة الصبر، يقال في سوء الخلق:رجل غلق، وأصل ذلك من قولهم: غلق الرهن أي لم يوجد به تخلص و أغلقت الباب من هذا، قال زهير:
وفارقتك برهنٍ لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا