الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

بلغه قتل عامله حسان بن حسان

الجزء ١ · صفحة ٦

أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيما الخسف، وديث بالصغار. وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً، وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم، فو الذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتخاذلتم وتواكلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهرياً، حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخوغامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالاً منهمكثيراً ونساءً والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فتنتزع أحجالهما ورعثهما ثم إنصرفوا موفورين لم يكلم منهم أحد كلما. فلو أن امرأ مسلماً مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي فيه ملوماً، بل كان عندي به جديراً. ياعجباً كل العجب " عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى أصبحتم غرضاً ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله عز وجل فيكم وترضون. إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء قلتم: هذا أوان قر وصر، ةإن قلت لكم: إزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، إنظرنا ينصرم الحر عنا. فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فإنتم من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال ولا طغام الأحلام، ويا عقول ربات الحجال، والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لارأي له في الحرب. لله درهم ومن ذا يكون أعلم بها مني، أو أشد لها مراساً فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يطاع يقولها ثلاثاً فقام إليه رجل ومعه أخوه، فقال : ياأمير المؤمنين، أنا وأخي هذا كما قال الله عز وجل: رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخى المائدة: 25 فمرنا بأمرك، فوالله لننتهين إليه، ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا، وشوك القتاد. فدعا لهما بخير، ثم قال: وأين تقعان مما أريد ثم نزل.

قال أبو العباس: قوله: " سيما الخسف " ، قال: هكذا حدثوناه، وأظنه " سيم الخسف " يا هذا، من قول الله عز وجل: يسومونكم سوء العذاب " البقرة 49 ومعنى قوله: سيما الخسف تأويله علامة، هذا أصل ذا، قال الله عز وجل: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " الفتح: 29، وقال عز وجل: " يعرف المجرمون بسيمهم " الرحمن: 41 وقال أبو عبيدة في قوله عز وجل: " مسومين " آل عمران: 125 " قال: معلمين واشتقاقه من السيما التي ذكرنا. ومن قال:مسؤمين " آل عمران 125، فإنما أراد مرسلين: من الإبل السائمة: أي المرسلة في مراعيها، وإنما أخذ هذا من التفسير. قال المفسرون في قوله تعالى: " والخيل المسومة " ، آل عمران: 14 القولين جميعاً، مع العلامة و الإرسال، وأما في قوله عز وجل: " حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك " هود: 82 - 83 فلم يقولوا فيه إلا قولاً واحداً، قالوا: " معلمة " ، وكان عليها أمثال الخواتيم، ومن قال: " سيما " قصر. ويقال في هذا المعنى: سيمياء، ممدود،قال الشاعر:

غلام رماه الله بالحسن يافعاً … له سيمياء لا تشق على البصر

وقوله رحمه الله: " وقتلو حسان بن حسان " ، من أخذ حساناً من الحسن صرفه لأن وزنه فعال فالنون منه في موضع الدال من حماد، ومن أخذه من الحس لم يصرفه لأنه حينئذ فعلان فلا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، لأنه ليست له " فعلى " فهو بمنزلة سعدان وسرحان.

وقوله: " ديث بالصغار " ، تأويله: ذلل، يقال للبعير إذا ذللته الرياضة: بعير مديث، أي مذلل.

وقوله: " في عقر دارهم " ، أي في أصل دارهم، والعقر: الأصل، ومن ثم قيل: لفلان عقار، أي أصل مال، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم قال: من باع داراً أو عقاراً فلم يردد ثمنه في مثله فذلك مال قمن ألا يبارك له فيه " . وقوله: قمن يريد: خليق، ويقال أيضاً: قمين وقمن.

قال أبو الحسن: من قال: قمن لم يثن ولم يجمع، ومن قال: قمن وقمين ثنى وجمع.

ويقال للرجل إذا إتخذ ضيعة، أو داراً: تأثل فلان، أي إتخذ أصل مال.

وقوله: " وتواكلتم " : إنما هو مشتق من وكلت الأمر إليك ووكلته إلي أنت أي : لم يتوله واحد منا دون صاحبه، ولكن أحال به كل واحد منا على الأخر، ومن ذالك قول الحطيئة:

فلأيا قصرت الطرف عنهم بجسرةٍ … أمون إذا واكلتها لا تواكل

٦ / ٣٣٦