[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦و في التاريخ أن أناساً ممن كانوا حفظوا عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما قاله في قتل عمار فلما قتل هموا بالفرار من جيش معاوية، و هم من أهل الشام، جاءهم الداهية معاوية قائلاً لهم: لسنا نحن قتلناه، و إنما قتله من أخرجه لقتالنا، فقنعوا بذلك، و سكتوا بتلك الشبهة التي لا يصغي لها من له مسكة من عقل.
قال في الاستيعاب (10) في ترجمة عمار - رضي الله عنه - الحافلة بفضائله السامية، التي لو كتبت بماء الذهب لكان قليلاً في حقه، يقول فيه رسول [224] الله - صلى الله عليه و آله وسلم - : " إِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرِ حُشِىَ مَا بَيْنَ أَخْمَصَ قَدَميِّهِ إِلى شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِيَماناً " (11)، " مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارَ أَبْغَضَهُ اللهُ " في أحاديث عديدة تعبر عن فضائل عمار.
و عن أحواله في صفين روى الأعمش (12) عن أبي عبد الرحمن السلمي (13) قال : شهدنا مع علي صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية، و لا وادٍ من أودية صفين إلَّا رأيت أصحاب محمد - صلى الله عليه وآله و سلم - يتبعونه كأَنَه علم لهم، و حكى ما قاله عمار في ذلك الموقف الرهيب من الكلام، و ما اطمئن إليه عمار بن ياسر وهو يرى الموت نشرة أعلامه، و حام على روح عمار حمامه، فنادى عمار رجال الإيمان و حضهم على لقاء الله قائلا :
و الله لو هزمونا حتى بلغنا أو قال حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، و هم على الباطل (14).
و عنه - عليه الصلاة والسلام - : " عَلَيْكُمْ بِابْنِ سُمَّيْةَ، فَإِنَّهُ لَنْ يُفَارِقَ الحَقَّ حَتَّى يَمُوتَ "، و في رواية:. " فَإِنَّهُ يَدُورُ مَعَ الحَقِّ حَيْثُ دَارَ " (15)، و في هذا كفاية لتحقيق المُحِقَّ و ضلال الباغي، و لا دافع لهذا إلا إذا كان الدافع لا يعتمد إلا على هواه، أو على قوتِه.