العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

و بعد ذلك أشيع عليهم أنهم خوارجٌ ضُلَّالٌ فُسَّاقٌ، ليتستر قاتلهم بذلك، و عند الله ينكشف المستور، و تتضح الجناية على جانيها، و تظهر حقائق الأمور، و ما خَفِيَ على الخلق لا يخفى على الله الذي يعلم ما في الصدور.

فَبَدَلَ أن يقام على الباغي الذي يشهد النص ببغيه يقام على أولياء الله الذين فارقوا أولادهم و أهلهم فَارِّين بدينهم، يبيتون على المحاريب يرتلون القرآن، إذا سمع أحدهم بذكر الجنة كاد أن يطير شوقاً إليها، و إِذَا سَمِعَ بذكر النار كاد أن يذوب لذكرها، و تتقطع أنفاسه خوفاً منها، أَكَلَتْ الأرضُ جباههم من طول السجود، و تقرحت ركبهم من كثرة الركوع و السجود، كأن الجنة لم تخلق إلا لهم فتجردوا لها، و كأن النار موعدهم و ليس لها إلا من يكون كذلك أبداً، و إذا بإخوانهم الذين تلاقوا هم و إِيَّاهم على حرب عدوهم، و هم تحت راية إمامهم يحملون عليهم السيوف في مواعيد لقاء بينهم، تكتب عليها سطور الود و الصفا، و هو على الحقيقة عنوان البغي و الجفاء.

إنها و أيم الله لمما يأسف له، و لكن المقدر بحكمة الحكيم لا بُدَّ من انفعاله، ولما قضي الأمر انتشر الخذلان، و أظلم وجه الحقِّ،[230] و عَمِيَ طريقه، و انْهَدَّ رُكْنُ الإسلام، و اشْتَدَّ على أهله ضيقه، حتى قام من يقتل الإمام انتقاماً، و تَجَرَّدَ له مَنْ حمله الغضب و رآه لزاماً لتتم المكيدة، و ينتصر البغي، فيدوس وجه الحقِّ، و يصفوا الجو لمعاوية و أتباعه، و يقوم الملك العضوض على جثث هداة الدِّين و قادة المؤمنين.

٣٠٢ / ٤٧٢