[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤و قد قام المسلمون على إمامهم على بن أبي طالب يناشدونه الرجوع عن التحكيم، و أنه باطل لا يَصِحَّ، و الرجوع فيه لا يُخِلَّ بشيء من أمر الدِّين على القول بصحته، و نبذ العهد وردت به الأدلة، و الرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل، و الأولى تدارك الأمر قبل استفحال الخطب، و تعاظم الخطر، و هؤلاء القائمون هم خيار الصحابة، و أعيان التابعين لهم بإحسان، فلم يكن من ذلك شيء حتى اغتنم الملكيون الفرصة ، و زَوَّقُوا أكاذيب لهم، رَوَّجُوا بها لهم سوق رغبتهم في إذلال الحقِّ، و تأييد الباطل.
حتى جاء المؤرخون الذين هم صنيعة الملوك، و أتباع الشهوات يكتبون الأكاذيب، و الأغراض الفاسدة، و يزخرفون لهم زخارف تمشي بهم في بقاع الباطل، و قد ضربوا بدينهم عرض الحائط.
حتى انحاز المؤمنون كلهم من جيش علي بن أبي طالب وضربوا معسكرهم إذ ذاك بالنهروان، معلنين استياءهم من تلك الأعمال التي وقعت لهم في بيئة إمامهم البطل المغوار، و سيدهم صاحب ذي الفقار، الذي ما زال طيلة تلك المدة، وهو مفتاح مغالق تلك الدماء،[231] و مصباح مظاهر الأرواح، و بانحيازهم عنه قام النشاط البارز لمعاوية وأصحابه، و رأوا أن المكيدة تم انفعالها، و أمور علي آن انحلالها، و سرجه عصفت بها الرياح الزعازع، و لا بد أن تطفئها، وفعلاً كان ذلك كما قصه التاريخ العام، و ذكره أيضا ذلك البطل الجليل المؤرخ المغربي الذي يعطي الحقائق حقها، و يمنح الواقع نصيبه من الصدق و الوفاء.
فساق ما دار في القضية من احتجاج، و ما لَزَقَ بها من لجاج، و ما اختص برجالها من اعوجاج، و ما عليه المنحازون من ابتهاج، و الحقُّ أَحَقُّ بالاتباع، و الباطل أولى بالاتضاع، فذكر الحق أشبه بنجوم السماء، و وضع الحائق في سلكها جواهر متلألئة تلألئ الجواهر في حسنها.