العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

وكان الإمام علي بن أبي طالب قد عَزَمَ الكرة على معاوية بعد اجتماع الحكمين، و تجديد أصحابه البيعة له، و إن كانت أجنحته قد قُصَّتْ، و قواه قد ضَعُفَتْ، و نفوذه في العراق لم يعد كما كانت في حرب صفين الأولى، فبذل كل جهده فجمع جُنْداً فسار بهم إلى الشام ؛ لكن لم يكن هذا المسير من النوع المسير الأول، حيث قد أثر في النفوس ذلك التحكيم السيئ الذي قام به أولئك الذين هم صنيعة معاوية، وكان علي أراد أن يضرب الضربة الثانية تقوى الشام التي ما زالت تؤيد معاوية جار أم عدل،"و كان ذلك في سنة 37 للهجرة.

و كان الأشعث بن قيس ورؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية وأتباعهم يخذلون الناس عن علي، و كان ما وقع له من جرأة العامة عليه و قَبُوله التحكيم، و استلاب معاوية النصر من يَدِّهِ في معركة صفين، و مفارقة خاصته له ممن بايع عبدالله بن وهب الراسبي، و ما يعلمونه من عدم استطاعة الإمام أن يقف في وجه معاوية لكثرة أنصاره، و حُنكة دهائه، و قوته، و صرامته" (1).

و كان المقصود من طلب التحكيم فَكُّ تلك الأزمة التي كادت أن تَحِيقَ بمعاوية و جيشه، و كاد أن يضع معاوية رجله في الركاب، و على كل حال إنه يتوقع من علي بن أبي طالب مثلها أو أشد.

ومن البديهي أن يعتد لها معاوية عدته الكافية من المال، و الرجال، و السلاح، و الدهاء، و المكر، و اختداع الأغمار من [236] الناس، فإنه قد رأى، و سمع، و أعطته أيام صفين دروساً كافية، لا سيما و هو يحاول الملك.

"و كان هذا كله قد أضعف نفوذ الإمام في العراق، فتثاقل الناس عن السير معه لحرب معاوية، فوجد صعوبة في الحصول على العدد الكافي للحرب التي سيخوضها، فالتجأ إلى تجنيد العبيد و العامة التي لا تناصره عن حماس و دين و محبة.

٣٠٨ / ٤٧٢