[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٣١٥وقد أَبَى الإمام عليهم ذلك، و كَرِهَ السير إليهم، و قال : " اتركوهم " رجاء أن يتغير رأيهم فيه فيرجعوا إليه سيما بعد أن ينتصر على معاوية و يقضي عليه، وتبرد حرارة قلوب هؤلاء فَيَسْتَرُدُّ بذلك الإمام ما فقده في جولاته الماضية، و رأى الإمام أن عدوه هو معاوية و حزبه أنصار المَلكية المستبدة، و أن عبدالله بن وهب الراسبي و صحبه لا يضرونه بشيء إذ كل أنشودتهم تأييد الدين، و رد الباغي عن بغيه، إذ هم على مذهب الإمام في سيرهم و سراهم، محافظين على الواجب الشرعي، و على التمسك بحبل الدين.
إما أن ينتصر على معاوية فتظهر كفاءته، و يسترد صَيْتَهُ فيرجعوا إليه، أو يكونوا هم أكثر كفاءة و أغزر جمعا ليمل الجمهور إليهم فيرجع هو إليهم، فيكونوا يَدَّاً واحدة، هذا هو رأي الإمام علي في أصحاب النهروان، فما كان ليعاديهم [242] و يقاتلهم على اعتزالهم له ؛ لأنَّ بيعته قد زَالَتْ عن أعناقهم، و هو أعلم القوم بالحكم فيها، لا يرضى أن يؤاخذ إخوانه الذين نصحوه بالأمس عنها، و خرجوا اليوم عنه غير ماسين بشيء من حقوقه (6).
و إن الذين نسبوا إليه قتلهم ما أراهم أدركوا فصل القضية إلا من حيث الإجمال لما كان هو الإمام، وكان القاتلون أركان حربه، ومن لهم أنه أمر بقتلهم، و أقرب الأحوال منه في تحقيق هذا القضية أن الإمام خرج مخدوعاً لقتال القوم بالشبهة متوصلاً به إلى الغرض المنويِّ، و على كل حال إِنَّ بوادر الجيش هي التي بدأت بالقتال متظاهرة له بأن القوم بدأوهم بالقتال، و هم على كل حال إنما أخرجهم إلى النهروان التباعد عن ضوضاء أعدائهم الذين حملوا الإمام على قبول التحكيم ليفكوا معاوية من الأزمة التي وقع فيها حين رأوا طلائع الهزيمة تقرب منهم.