علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٣٢ولما استقر الحال بين علي و عبدالله بن وهب على الحال الذي ذكره التاريخ، و فشا ذلك في الجانب النهرواني، خرج الأكثرية إلى لقاء إخوانهم، و زيارة أهلهم و أخصائهم، وسَرَّحُوا خيولهم، وفَكُّوا حَزْمَ انحيازهم، و زالت من وجوههم دَهْمَةَ الاستعداد للوغاء، و أشرقت بنور الإقبال و الاستعداد للمصالحة للإمام الهاشمي أبي الحسنين، و عاد الإخاء يلمع في أفق النهروانيين، و وضعوا سلاحهم، و تفرق جندهم، فاختلطوا بأقاربهم و إخوانهم، راجين جمع الشمل تحت راية عادلة، سواء كان الإمام علي أو عبدالله بن وهب.
و زالت الهواجس إذ كل واحد ممن عند عبدالله بن وهب فأخوه و ابن عمه و قريبه عند الإمام علي، و أمنت النفوس المتخوفة، التي كانت تحت الأنباء المتقدة، لا ترجو إلا السيف، و لا تنتظر إلا الجيش، و المؤمن بطبيعة الحال ينحني على أخيه، و ينعطف عليه، و يحبه و يخضع له مع الحقِّ، و يأويه و يفرح بإقباله عليه راضياً، [256] لا سيما إذ كان بينهم سابق اتحاد، فأزاله الجفاء، فإذا عاد الصفاء فقد أسرع بالقوم الالتفاف نحو بعضهم بعضاً، كهذا الحال الذي جاء به الإمام الآن.
فذهب الحذر الذي يمنع من اختلاط الجيوش، فهؤلاء النهروانيون مسرورون برجوع الإمام إليهم، للمفاهمة فيما بينهم، و لم يكن بينهم سابق شر فيخشون غدراً، أو خداعاً، أو شيئاً مما ينبغي الحذر من أجله، بل يعهدون أنهم و علياً أعداء معاوية، و ما خرجوا عن علي إلا عندما كَفَّ عن الحرب، و علق الأمر بيد الحكمين، بعدما كان هو الحكم العدل، و الأمير المجمع على إمارته، و لم يظنوا أن جيش الإمام حنق عليهم، يضمر لهم سوءاً، أيُهم بغدرهم.