علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٣٣و إذا بالجيش جامع عزمه على قتل هذه العصابة في سبيل نيل الرئاسة التابعة لمعاوية، المجاهدة من أجله لا من أجل علي، بل هي هَامَّةٌ لإيقاع علي الإمام في هِوْةٍ خَطِرَةٍ، قد لا يرى النجاة منها، فإِمَّا أن يقتل فيستريح منه معاوية، و يكون الأمر كله إليه كما قرر الحكمان، و إِمَّا أن تقتل هذه العصابة، و على الأقل أن يكون قتلها ضعف لعلي و تأخر في أموره، و كلا الأمرين مراد، و قد يغدر أخ بأخيه إذا لم يكن مانع ديني كما قلنا عنه في " نفحات الظهر"، و المرء قد يغره مختدع له أخوه، و به قد يبتلى.
و كان علي بن أبي طالب قلنا عنه مرات أنه كان سليم القلب، لا خبرة له بالدهاء الظالم، و لا يعرف عنه شيئاً، و لا يدرك ما يُحَاك لمستقبله الدولي من الدواهي، و يعتقد أَنَّ النَّاسَ كلهم، أو على الأقل أكثرهم معه، و لا يَوَدُّونَ غيره، و لا يَسْعَوْنَ في فساد أموره، فهو الإمام المجتهد، و المخلص للأمة، [257] و الزعيم الأكبر في تأييد الإسلام.
و بذلك الاطمئنان الذي رسخ في قلوب عبدالله بن وهب و أصحابه لم يبق إلا أن يتحرك موكب الإمام علي، و يتقدم الركب المبشرون عنه ذاهباً إلى معسكر عبدالله بن وهب الراسبي، فيجتمع بأصدقائه القدماء، و يعطف بالاعتذار قلوبهم إليه، و يَضُمُّ خاصته المخلصة إلى جانبه، و قد تفاءل الأحنف بن قيس و خاصة الإمام المخلصة بهذا العمل، و استبشر الأصفياء من جند علي بهذا الفتح المبين الذي كانوا تأثروا به.