العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

علي وأهل النهروان يتفاوضون

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

ولعل هؤلاء على الأقل أن يحوزوا كلمة الإمام، و يكونوا محل رضاه في أموره التي هم يسيطرون عليها، و تقدموا أن يوقعوا الإمام في حرب مع أهل [258] النهروان، فكان ما أرادت تلك البطانة الخاطئة بطانة معاوية.

و لقد أورد البَرَّادِي (1) و الشَّمَّاخي (2) - رحمهما الله - مفاوضات الصلح التي أجراها سفراء علي مع عبدالله، و تردد قيس بن سعد بن عبادة بين الطرفيين، و إرسال علي له ثلاث مرات لما يرجوه و يرغب فيه من إصلاح ذات البَيْنِ.

وهذا دليل على أن علياً لم يقصد الحرب لما ذهب إلى النهروان، و إنما قصد الصلح والتراجع، و ضم عبدالله بن وهب وقوته الحربية الكبرى الشديدة على معاوية و أعوانه، لأن عداء علي كان يتجه إلى معاوية، و إذا تعب علي في شيء ففي كف الأشعث بن قيس وحزبه من دعاة الفتنة، الذين يدعونه إلى حرب عبدالله بن وهب الراسبي و عصابته الطاهرة، التي تتألم على هوان الحقِّ، و ذِلَّهِ في صالح عدوه، الذي تَجَرَّدَ لقتال المسلمين، و لم يبال بسفك دماء المؤمنين، في سبيل أن يكون أمير المؤمنين" (3).

و كان الأشعث بن قيس وحزبه دعاة فتنة، وهم الذي حملوا على كواهلهم ظلم المسلمين ؛ بإثارة الشر بينهم، و إيقاد نيران الفتنة في الإسلام، و علي يدافعهم و يداريهم لأنهم قوته الفَعَّالة التي لا يمكنه إبعادها في هذه الظروف الحرجة التي تضطره للخضوع لآرائهم، لا سيما أنهم يتكتمون عنه، و يكتمون ما يرومون، و أضر الناس على الأمير بطانته في كل جيل و كل عهد من عهود التاريخ، إِنْ بَسَطَ لهم تَمَرَّدُوا عليه، و رأوا أنهم هم أولو الأمر حلاً وعقداً، و إن قَبَضَ عليهم حاولوا قهره و إبعاده، وعلى هذا سنن التاريخ تأكد، و الشواهد معروفة لا تحتاج إلى إبراز.

٣٣٤ / ٤٧٢