علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦و ما زال علي يحاول[259] أن لا تقع فتنة بينه و بين إخوانه، و لكن أعدائه بخلاف ذلك إِلَّا ما شاء الله، إذ هم دعاة و عباد الأطماع يدعونه لحرب أهل النهروان، لما يعتقدونه فيه يعتقدون مثله أو أشد منه فيهم، وما يرجونه من معاوية لا يرجونه من علي، و من أهل النهروان من باب أولى ؛ لأَنَّ أولئك لا يرون الحقَّ الناصع، و العدل الكامل في الأمة أين كانت، ويراوغون علياً على حرب هؤلاء، و يخلقون له فيهم أحوالاً هم بريئون منها، ويريدون منه أن يوقع بهم شراً، و يضمرون لهم غدراً تبعاً للشيطان الذي يُسَوَّلُ لهم.
و صَحَّ و ثَبَتَ أَنَّهم لم يرتكبوا أمراً يوجب إلا أنهم رفضوا التحكيم، و فروا عن مقتضاه، وتباعدوا عَمَّنْ إرتضاه، و بايعوا إماماً لهم يرومون به إحياء القضايا الدينية التي قاموا من أجلها على عثمان بالأمس حتى قتل، و بعده بايعوا علياً إماماً لهم بيعة علنية شاهرة أجمعوا عليها على مقتضى أوامر الكتاب و السنة، و لما رأوا بَذْرَ الشِّقَاقِ وقع في الميدان الذي هم فيه توقعوا فساد الدِّين منه فلا جرم إذا فروا بدينهم، و أرادوا إماماً لهم يحملهم على أوامر الكتاب و السنة، فيميت البدعة، و يقيم الحق على أعمدة الإيمان، ويسير بالناس سيرة الخليفتين السابقين، فهل هذا جرم أو ذنب ؟؟، بعدما خلع إمامهم نفسه، و ترك إمامته في يد الحكمين، و بقي ينتظرها هل تعود إليه أم لا؟، فلم تعد بل عادت على معاوية تؤيد جريمته في الأمة،[260] و تجمع له ما تَفَرَّقَ بها.
و هناك فريق غَطَّ الجهل على عينيه فأعماها، و غلب الهوى على قلبه فستهواه، فَضَّلَ الطريق، ولم يكفه أن سلك الجادة السوية راضياً بها سيراً إلى الغاية الرُّوحية، بل ضَلَّ ينسب إلى الحقِّ كل رذيلة، و يسلب عنهم كل فضيلة، ليكون مقبولاً عند القوم الذين عاثوا في أرض الله فساداً.