علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٤١" إنَّ الذين يصفون علياً بالكيد لعبدالله فَفَرَّقَ جيشه، يصفون عبدالله بأنه مغرورٌ في سذاجة الغفلة، و هو من الدُّهَاةِ الذين لهم ضياء العقول الحية الواعية، فهو وأصحابه دهاة أذكياء يتبينون الخفايا الخفية من وراء ستارها، و ينتبهون لدقائق التي لا تبين لغيرهم، و ما كان لقيس بن سعد و الأدهى منه أن يداجي عبدالله بن وهب وصحبه فيلبس غير لباسه، ويظهر بوجه غير وجهه، و يبرز [263] و يظهر في غير حقيقته، و ما كان لقيس و هو من سادات الأنصار، و من له المكانة فيهم، و في صلاحه، و اعتداده بنفسه، وفي غيرته على مكانته العالية بين أقرانه في عصره أن يفعل هذا، فيخادع أناس يشهد هو بفضلهم، و ينطوي على إجلالهم و إكبارهم، و يراهم قوة كبرى يجب جَرَّهَا إلى الإمام، و إلى أجنحته التي يقدر أن يُحَلِّقَ بها على رؤوس المعادين له، فلا ينبغي أن تخرج هذه القوة الحامية عن الإمام، بل يجب أن ترجع عليه، فتشد عضده وتؤيده.
إِنَّ العوام و الذين لا يحكِّمون المنطق في هذه الحوادث قد أراهم الغضب، و الحمق، و تحكيم العاطفة في هذه الحوادث غير الحقيقة، فتفوهوا وعللوا الحوادث تعليلاً خاطئاً، فنقل بعض المؤرخين تلك الأقوال التي يناقضها ما أثبتوه بعد ذلك، و نسبوه إلى الإمام مِنْ تَحَسُّرِهِ، وَتَأسُّفِهِ، و بُكَائِهِ على عبدالله بن وهب و صحبه، و الذين استشهدوا في النهروان، و ما وصفوه به من تحسره حين كانت المعركة دائرة، و الهجوم يقع على عبدالله بن وهب وصحبه (7).
فلو كان هو الآمر بالهجوم المشعر بالحرب لَفَرِحَ بالنصر على العدو الذي رأى قتله واجباً، و إعداماً فرضاً، و لو كان من أقرب الأقرباء له، فقد قتل من أقاربه في سبيل نصرة الحقِّ من لا يخفى بين أهل العلم، فكان هنا كذلك ينبغي على فرض ما قرره المؤرخون الذين لا يهتدون للحق كما ينبغي أن يفرح بالنصر على عدوه عبدالله و صحبه".