العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

علي وأهل النهروان يتفاوضون

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

" و كان عبدالله بن وهب الراسبي في أربعة آلاف من جنده، فلما واعده قيس بن سعد بمسير علي إليه، شرع يستعد للقاء الإمام للمصالحة، و أمن و اطمأن، لعلمه أن علياً لم يكن من أهل البغي و الفساد، و لا من أهل المكر والعناد، بل كل ما عنده إرادة الخير لأمته، و لذلك أذن لجيشه أن يَتَفَرَّقَ، فذهب أكثره لزيارة أقاربهم و إخوانهم في جيش الإمام، و ليأكدوا ما عزم عليه الطرفان من المصالحة فيما هم بصدده، و يبينوا برفع الحذر حسن نية عبدالله بن وهب، فلم يبق في معسكر عبدالله إلا ألف و ثمانمائة جندي.

فاغتنم الأشعث بن قيس الفرصة هو وصحبهَ الذين هم على رأيه خاصةَ أَمْنَ عبدالله، و تَفَرَّقَ جيشه، فهجموا عليه و أحاطوا به، و تبين له خلاف ما كان يظن، ركب هو و أصحابه الذين كانوا خاصته باقين معه في المعسكر ينتظرون وصول الإمام فما شعروا إلا وقد دارت الحرب، وقامت المعركة الرهيبة بين الأشعث بن قيس و الذين اندفعوا بجيش الإمام، و عبدالله و صحبه الآمنون المطمئنون بنيل الصلح عند مجيء الإمام، و إذا بالقتلى تتساقط و السيوف تعمل في الرقاب، و جيش الإمام كما عرفت فوق سبعين ألفاً فماذا تكون هذه العصابة القليلة في جيش كالبحر، فلم تزل القتلى تتساقط من الجانبين، وتخر على الأرض، و لم يزل المؤمنون يقتلون و أهل الأهواء يلعبون، و دامت الحرب [266] من الغداة إلى الأصيل بين إخوان مسلمين، أخذت يوماً كاملاً، و لم يملك الإمام شيئاً " (1).

و مما يدل على عدم إرادة علي قتل أولئك الرجال لم يدخل الحرب كعادته، و لا شُهِرَ عنه أَنَّه قَتَلَ أحداً بيده، و لعله قيل له إن القوم بدأوا بالحرب فيظن صدق القائل، و العهدة عليه، و لم يعلم هو من أثارها، فلم يشعر إلا و السيوف على الرؤوس، و القتلى تهوي على الأرض.

٣٤٢ / ٤٧٢