علي وأهل النهروان يتفاوضون
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤ومن حيث أنه الإمام القائد و المسئول عما يجنيه جيشه، وَجَّهَ خصمه الجريمة عليه، فقامت المحاورات و اشتدت المنازعات، و كل يعد على خصمه البغي عليه، و لكن لما كان حسب الظاهر أن المنتصر علي عَلَّقَ أهل الأهواء على النهروانيين جريمة تلك الحرب، و أخذوا يضيفون إليهم كل سوداء مظلمة، ومن طَبْعِ النَّاسِ هذا يؤيدون المنتصر ولو لم يكن محقاً، فيجعلونه المحق المخلص، و لو انتصر النهروانيون لسمعت القيل والقال في علي و جيشه.
(2)
و هذا الحال فيهم عريق، و الله يبتلي عباده بما شاء، و قد ابتلى الله المسلمين بهذه الأحوال، " لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ " (3).
فاعْجَبْ أيها العاقل كيف يلعب أهل الأهواء، و يرتكبون الشنائع، و يفعلون الأفاعيل المنكرة و لا يبالون؟!!.
و لذلك بقي الإمام حائراً لا يدري من أثار هذه الحرب، و لم يجئ هو حارباً، ورسله حجة عليه، و لم يعلم من كان السبب فيها، و لعلها مِنْ مَعَرَّةِ الجيش.
و عبدالله بن وهب و أصحابه كانوا يرتقبون الخير [267] بمجيء الإمام، و الأمن، و الاطمئنان، و اجتماع الشمل و لَمِّ الشعث، و أن يكون الرأي مداراً بين الجميع، و الوجهة واحدة وهي الاهتمام بأمر معاوية المفرق لشمل المسلمين، المستبد بحكم هواه، القائم على الإمام علي ليكون سلطاناً على المسلمين، و لعلمه أن إعطاء الناس رغبتهم هو الذي يؤيد مقاصده، كما أشار إلى ذلك بعض أهل الردة، إذ قال لعمرو بن العاص " إن العرب لا تطيع لكم على هذا، فتركوا لهم أموالهم "، و كان يشير إلى الزكاة.