العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

علي وأهل النهروان يتفاوضون

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

وكذلك ترجم دبوز بكيد الأشعث لعلي (1)، و أثر ذلك في أنصاره بوقعة النهروان، و افتراق جيشه عليه بعد الرجوع من النهروان إلى الكوفة، و ما كان عليه المسلمون مما خرجوا له من نية قتال معاوية و أهل الشام، و بعضهم خرج بنية الصلح و المراجعة بين علي و عبدالله حتى أشعلها الأشعث المتغطرس على المسلمين، و أثارها شعواء بين إخوان مؤمنين، ليستغل رضى معاوية و أهل الشام، و يكبر في أعينهم، فيسيطر على المقاصد، و يريهم أنه الرجل الوحيد ، و البطل الصنديد، و الشجاع الفذ الذي إذا قال فعل، فينال بذلك المكانة السامية.

و كان الأمر كما أراد فإن علي بن أبي طالب أدرك الحقيقة، و علم الغاية، فلذلك لم يتحرك بعدها إلى معاوية، و بقي يوبخ الجند، و يذمهم و يعلن مغشتهم، و إن معاوية مطاع في أهل الشام و علي على خلاف ذلك في أهل العراق.

و إذا تحققت أَنَّ علياً لم يَرْضَ بقتل أهل النهروان، أو لم يأمر به لم تلزمه مهمتهم، و لم تَعْلَقْ به تلك الجريمة، و قد يكون المرء في نيته قاصداً خير [271]فلا يُرَى في قصده إلا شراً.

وهكذا عليٌ فيما أحسب، و أما النقل عن المؤرخين فمتباين و متناقض، و عند كل قوم ما يوافق غرضهم، و يلائم دعوتهم، و لا تلتفت إلى ما ذكره صاحب فتح الباري (2) و أمثاله، فإنه مختلطٌ، مضطربٌ، يجمع الغَثَّ و السمين، و إذا تتبعه الإنسان رآه متناقضاً من جميع نواحيه.

و العجب من مثل هؤلاء العلماء الذين لا يستعملون عقولهم، و لا يشغلون أفكارهم بالنظر إلى ما جاء في أخبارهم، فتراهم كمن يحتطب بالليل و يجمع كل ما يلاقي.

٣٤٨ / ٤٧٢