تحقيق قضية التحكيم
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤وإذا كان باغياً عليك و على المسلمين فعلى أي شيء تحاكمه ؟، و قد حَكَمَ الله عز و جل في الباغي أن يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله عَزَّ وعلا، فأي حكم تريد بعد حكم الله عز شأنه ؟، و أي حكم يراه عمرو و أبو موسى بعد حكم الله تعالى ؟، وهل قاتلتهم أنت في الجمل وصفين إلا على البغي ؟، فمالك اليوم ترجع على العقب ؟، و تترك إمامتك التي قلدك الله إياها يتلاعب بها الحكمان يوليانك أو يعزلانك؟!، و قد عزلاك فمالك تغضب على العزل، و قد رضيت به أمس، و أعطيت عليه عهد الله و ميثاقه، ما هذه الأمور التي تتناقض من أصلها، و مالك تجعل معاوية في الإمامة نظيرك ؟، و لم تسبق أبداً له إمامه، كيف هذا ؟، وترى قائدك الأشعث يهددك و أنت كأنك أصم عما يقول؟، أين غاب عنك ذو الفقار الذي كنت تقطع به الهامات ؟! إنها أمور غريبة أوقعك أهل السوء فيها!، و لم [283] تنتبه!.
وكانت تلك الشروط التي قرروها لا وجه لها، وقد صَحَّ أَنَّ المرء في المحنة عَيٌّ، و إلا فما بال علي ذلك الإمام العَلَمُ الهاشمي المحنك يتلاعب به مثل هؤلاء، الذين هم دونه بمسافات في كل شيء، و قد بلغ معاوية من علي مراده، و تدهور بناء علي من أساسه، و أصبح ألعوبة في يد أناس يتصرفون فيه، و في إمامته كما شاءوا، إلى أن قطعوا أجنحته تماماً بقتل النهروانيين، الذين أنكروا الحكومة، و لم يرضوا بها، و رأوها ضلالاً، و راجعوا إمامهم فيها،و لم يجدوا منه إلا إعراضاً عن كلامهم،و رفضاً لمقالهم، و المأخوذ غافل، و الله المستعان.
و إليك ما حكاه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة قال بعد أن ذكر الشروط التي هي:. " الحكم بما في كتاب الله، و إلَّا فَبِمَا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - "، كأنَّ حكم هذه القضية لم ينزل في القرآن، و قد نزل، و عملوا به في الجمل و صفين، و ها هو اليوم يُلتمس.