تحقيق قضية التحكيم
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦قال: " فلما كتب الكتابان أقبل رجل من بني يشكر على فرس له أبلق، حتى وقف على مكان بين الصفين فقال : يا عليٌّ أكفر بعد إسلام ؟، و نقض بعد توكيد ؟، و ردة بعد معرفة ؟ أنا بريء من صحيفتيكما، و ممن أَقَرَّ بها بريء، ثم حمل على أصحاب معاوية فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر علي فاستسقى فسقي، ثم حمل على عسكر علي فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية فاستسقى فسقي" (1) و ذلك أَنَّه رأى أن كلا الجانبين على غير هدى من الله، و لذلك أعلن البراءة من أصحاب الصحيفتين و ممن أقر بهما، و كان بدأ بعلي إذ قال له : يا علي أكفر بعد إيمان ؟، أي أتكفرون بعدما آمنتم، و نقض للأيمان بعد توكيده كل هذه المدة، و ردة بعد معرفة ؟ أي عرفتم ما وجب لكم و عليكم فما لكم تفعلون خلاف الحق ؟ وقد أدى هذا الشكري واجبه لله غير محاب ولا مداهن و هو حجة على علي فيما فعل.
وقال شريح بن هاني لأبي موسى يُحًذِّرُهُ :" إِنَّك قد نُصِّبْتَ لأمر عظيم لا يُجبر صدعه، و لا تستقال فلتته، و مهما تقل من شيء لك أو عليك يثبت حقه و يزيل باطله "، و في نهج البلاغة " يثبت حقه و يرى صحته و إن كان باطلا"، "إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية، و لا بأس بأهل الشام إن ملكها علي، فانظر في [285] ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقاً " (2) اهـ.
و لقد صَرَّحَ بعدما لَوَّحَ، ثم قال له الأحنف بن قيس : " يا أبا موسى اعرف خَطْبَ هذا الأمر، و اعلم أَنَّ له ما بعده، و أنك إن ضَيَّعْتَ العراق، فلا عِرَاقَ لك، فاتق الله "، قلت : لقد ضيعها مَنْ وافق على التحكيم، حيث جعل لمعاوية هذه المدة التي يستطيع أن يتقوى فيها مادياً و معنوياً، فيستميل قلوب الذين يتشوفون إلى الدنيا و هم الأكثر، و الذين لا يفقهون الحقائق، و لا يدركون الغوائل.