اجتماع الحكمين لإنهاء قضيتهما
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧و لما بلغ الأمر الداهية الأموي، كتب إلى أبي موسى وهو إذ ذاك بمكة يقول له : " أما بعد، فَاكْرَهْ من أهل العراق ما كَرِهُوا مِنْكَ، و أَقْبِلْ إلى الشام فإني خيرٌ لك من علي، والسلام " (5).
فأجابه أبو موسى:. " أَمَّا بعدُ: فإِنَّه لم يكن مني في عليٍّ إلَّا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه الله، و أراد عمرو بما صنع ما عندك، و قد كان بيني و بينه شروط عن تراضٍ فلمَّا رجع عمرو رجعت، و أما قولك: إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار ".
و قوله لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك ليس كذلك، إنما كان من أبي موسى في علي خلعه من الإمامة، ولم يكن معاوية إذ ذاك إماماً، و إنما كان من عمرو في معاوية إثباته إماماً، فشتان بين الأمرين، و قول أبي موسى " إن الخيار في الشاة و البعير لا في أمر هذه الأمة، فليست تساق إلى ما تكره، و لن تذهب بين عجز عاجزٍ و لا كيد كائدٍ " و كأَنه يشير بالعاجز إلى نفسه و بالكائد إلى عمرو، و كذلك قوله:. " و لا خديعة فاجر " فهو يثبت العجز لنفسه، و الكيد، و الفجور، و الخداع لعمرو، و كان هو المبتدئ بلعن عمرو و تمثيله إيَّاه بالكلب يلهث.
و كتب علي بن أبي طالب إلى أبي موسى : " أَمَّا بَعْدُ : إنك امرؤ ضللك الهوى، و استدرجك الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه [296] من استقال الله أقاله، إن الله يغفر و لا يغير، و أحب عباده إليه المتقون، و السلام " (6).
فكان في كتاب علي الحكم على أبي موسى بالتضليل و الهوى، أي فيك هوى أضلك عن الهدى، و فيك غروراً استدرجك، فهذا من علي حكم على أبي موسى، فإن كان كذلك تلزم أبا موسى منه التوبة، و إلَّا كان قذفاً من علي فيلزمه ما لزم أبا موسى.