الحكم بالظاهر على أهل الأحداث مِن قضايا التكليف
الجزء ١ · صفحة ٤١٥إن حكم المقترف للذنب أن يتبرأ منه ؛ لأجل ذلك الفعل الصادر منه، فإن هذا هو الواجب علينا في حقه، ما كان في دار التكليف، و لسنا مكلفين بما غاب عَنَّا، فإن الغيب لله عز و جل، فلو فرضنا أنا تولينا أحداً بما ظَهَرَ لَنَا منه، وهو في الغيب عدو الحقَّ تجب البراءة منه [327] فلسنا ملومين على ولايتنا له، لعدم علمنا بما هو عليه، فإن ذلك التكليف بما لا يطاق، و حاشا لله أن يكلف أحداً بما لا يطيق.
و لأنه يعلم مقاصد الناس، و ما انطوت عليه نياتهم، ولو فعل لكان ذلك عدلاً منه، لأنه السلطان الحقيقي الذي منه المبدأ و إليه الرجعى، له ما ليس لغيره عز و جل، و العبودية المطلقة لِمَنْ عَدَاهُ، و إن رغم أنفه، فإن الله تعالى تَفَضَّلَ على عباده أن لا يكلفهم بما لا يطيقون :- " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " (7)، " رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ " (8)، فهذه و أمثالها تُصَرِحُ بِأَنَّ الله لا يُكَلِّفُ نفساً ما لا تطيق، و واجب الحياة يجب لا بُدَّ منه، وإن ثَقُلَ على النفس، فإن التكليف أصله إلزام ما فيه كُلْفَةٌ ومشقة على العبد.
وإن أعمال الآخرة تتفرع على الأعمال الدنيوية، فمن وَفَّّّى بواجبه في هذه الحياة الدنيا وجد ثمرة ذلك الوفاء يانعة مشتهاة حلوة، و إلا وجدها مرة تَغُصُّ بصاحبها و العياذ بالله، و ما جعل الله في خلقه باطلاً، و لا في حكمه عَبَثاً، بل كلها لحكمة يعقلها أناس و يجهلها آخرون.
و جعل الله للناس في أنفسهم براهين، و دلائل على حكمته، و معالم و صور دالة على بديع صنعته، و ربما صَحَّتْ الأجسام بالعلل، و ربما اهتدى العاقل بتلك الحوادث، فبعدما كان ضالاً فاسقاً ظالماً جائراً إنكشف له بنور الله برهان يعلم منه صدق القصد فيما أمر الله و نهى، فينزجر عن غَيِّهِ، و يرتدع عن قصده.