دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
الجزء ١ · صفحة ٤٢٤هيهات لقد حنق المسلمون من ذلك الحال الذي أنت وافقت عليه مُتَبِعاً للأشعث الذي يحاول أن يقضى عليك، ثم حملوك على قتلهم فقتلتهم في ضحوة من النهار، إن كان القتل وقع من غيرك بدسيسة من الجند فأنت القاتل، و على كاهلك تلك الجريمة النكراء، و الله سائلك عما وقع، و لن يضيع دم امرئ مسلم في بقعة من الأرض إلا أنا نعتقد فيك أنك لا ترضى غير الحقِّ، ألا تتبصر في أمورك فإِنَّ الدسائس تَدُبُّ وراءك، ألا ترى أنه لما قتل النهروانيون رفضك الجند و لم يعود يقومون معك على عدوك، و تخاذلوا عنك.
و أنت تعتقد أن المسلمين لا يريدون غيرك، لقد خرجوا عنك مما رضيت به، فعهد الله الذي وقع في القضية قد حال بينك و بين ما أُمَّلْتَ، و ها ذاك أبو موسى الذي أرسلته حكماً قد هَرَبَ إلى مكة، و لم يعد إليك بعدما قضى الأمر بينه و زميله عمرو بن العاص.
فمتى كان معاوية إماماً فيثبته عمرو بن العاص على ما كان، أليس السيف يثبته أميراً، و أنت ترى و تسمع، و إذا ناقشت نفسك هل ترى بقيت لك في عنق أحد من المسلمين، فالذين حملوك على التحكيم لم يبق عليهم شيء بعد رضاك، و من نهاك عن التحكيم فمن باب أولى لا شيء عليه إذ نهاك.[337]
كان علي لا يرى اجتماع المسلمين على غيره، و على كل حال اجتمعوا أو تَفَرَّقُوا فهو مرجعهم، لكن بقي هنا أنه لم يرى أن الملك العضوض قد بدأت طلائعه، و قد أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فمتى يعود عليه المسلمون الذين يعتقد فيهم ذلك الاعتقاد، و هو قد أعطى العهد والميثاق على التحكيم، و المسلمون يرونه ضلالاً، و على أنه أجبر عليه كان واجبه رفض الإمامة، و لا يكون سبباً في عمل الباطل، كان عليه أن يقول إن كنتم لا ترون إلا ذلك فاعذروني و إليكم أمركم، اصنعوا ما شئتم، فيكون له عذر صحيح لا يلومه عليه أحدٌ أبداً.