دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦و السياسة للأمير من لوازم الإمارة مهما كانت، فللدِّين سياسة كما للدُّنْيَا كذلك، و المُوَفَّقُ مِن اللهِ قد يحتوى عليهما معاً، و أي أمير لا سياسة له تلائم موقفه، و تساير وقته، فلا تقوم قناته مهما كانت، و لا أشهر أموره كما يرجو، و لا يبلغ في عدوه ما يأمل، و السياسة هي القوة الفعالة قبل كل شيء، و هي على الحقيقة الجيوش القتالة، و لا يكفي الأمير أَنَّ يكون فقط على خطة الشريعة الظاهرة السطحية، فإن العيون والجواسيس و نحوهم قوة تعضد الأمير طبعاً، فالسياسة حتى في لحظ العين، فانظر في تَوَعُّدِ النبي سليمان بن داود - عليهما السلام - للهدهد لمَّا غاب عنه بعض الوقت بغير علم، تَوَعَّدَهُ ذلك التوعد الشديد، و هَدَدَّهُ أبلغ التهديد، و لو لم يخرج بحجة وافق عليها نبي الله لكان الهدهد في الخطر الكبير بسبب غير كبير، لم يفعل فيه من الجرائم شيئاً في حق أحد من الخلق، مع أنه لم [339] يكلف فلا حساب عليه و لا عقاب.
و إِنَّما كان ذلك من نبي الله سليمان بن داود من باب السياسة في مملكته الكبيرة، التي خَوَّلَهُ الله إِيَّاها، و علي بن أبي طالب لم تكن له سياسة، و إنما كان يعتمد على قوة إيمانه، و على نفسه، و إِنَّ ظَنَّ أَنَّ لَهُ حظاً في السياسة فقد خانه ظنه، و للسياسة أناس شُهِرُوا بها جاهليةً و إسلاماً، و كان علي يعتمد على ما انطوى عليه ضميره، و يفعل ما جرى به تعبيره، و لا يمد نظره إلى شيء آخر، فهو إمام العلماء في المشكلات الشرعية، و إمام الفقهاء في الحضيرة الفقهية، و إمام أهل الإيمان في الدوحة الإسلامية، قد عُرِفَ زهده في الدنيا، وخلوه من سائر الأهواء، وبذلك اصطاده أنصاره، فقادوه لأغراضهم، و توصلوا به إلى ما تهوى أنفسهم.