دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
الجزء ١ · صفحة ٤٢٧و من ذلك ثورته على أهل النهروان، و إن كان هو لم يقصد قتلهم لأنه العلامة الوحيد يعلم حجتهم عليه، و لكنهم قتلوا تحت رايته، و هو بمرأى منهم و مسمع، بل كان قتلهم بين يديه، فلذلك قال المسلمون هو قاتلهم، لأن فعل جيشه معدود عليه طبعاً، و مسئول عنه شرعاً.
فإِنَّ أصحابه الدهاة المغرضين عَبَّرُوا له عن حقيقة أهل النهروان، تعبيراً رآه أمراً ضرورياً تَمَََكَّنَ من ضميره، فتقد في ذهنه اتقاداً، أشعل نيران حماسه عليهم، فهاجمهم جيشه مباغتة حتى قضى عليهم، و هم في مأمنهم، لم تبد منهم بعد بادية، و لا ظهرت منهم حركة إلا ما شاع من تجمعهم و بيعتهم لعبدالله بن [340] وهب الراسبي، وعلى ذلك ثارت عليهم عداوة خصومهم، فقضت عليهم بدل أن تشد عضدهم، و تناصرهم، إذ ترى الحقَّ معهم.
وبذلك وقع علي في بلية أخرى أحاطت بمحيطه من كل جهة، فلم تزل تهوي به في الحضيض الأسفل، و كيف لا و دماء أربعة آلاف أَوَّاب على أقل الروايات في عددهم سفكت تحت رايته بغير جُرْمِ ما، بل كانوا فروا من الباطل، و من أهل الضلال المتلاعبين بالأمر على حساب الإمام كما أشرنا إلى ذلك في " نفحات الظهر " :
وشأن الصدوق الاغترار بكل ما يسمع أو يرى، لأَنَّه يرى النَّاس كما يرى نفسه، و كم لهذا من شواهد بين أيدينا، و منه قول الإمام السالمي - رحمه الله- : " إني لأنزه البخاري عن الكذب، لكنَّهُ يأخذ عن أهل الأهواء ثقة بهم " (1) أي فلذالك روى في صحيحه ما ليس بصحيح، كما ثبت عن أهل العلم. (2)
(1) شرح الجامع الصحيح (1/57)
(2) راجع الطوفان الجارف الجزء الثالث للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي
---