دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
الجزء ١ · صفحة ٤٣٠و هكذا علي كان يعتقد، و لكن شاءت الأقدار غير ما كان يظن " إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا " (3)، لذلك لمَاَّ بويع على المذكور صَعُبَ عليه إجراء الأمور في مجاريها، فإنه لما بويع انتقض عليه طلحة و الزبير، فعجز عن قهرهما بالسياسة حتى عَظُمَ الخطب أَشَدَّ ما يكون، إلى أَنَّ لَجَأَ إلى القوة، فكانت وقعة الجمل أعظم ما عرف من وقائع الإسلام، و أدهى ما عرفه التاريخ، ثم أردفتها [343] الثانية مثلها أو أعظم منها بصفين، ولم يلبث أن رجعت أموره القهقري.
فكان الأشعث بن قيس يتلاعب بالجيش كيف يشاء، حتى تَمَّتْ عمليته بقتل أهل النهروان، و بذلك انحل نظام الأمر من يد علي بن أبي طالب، فعاد إلى الكوفة، وهم بالقيام لحرب الشام، فلم يستطع علي تحريك ساكن من جيشه، و لم يقدر على فعل مما كان في نفسه، حتى لاح نجم الخلل في أموره، و بدرت بوادر سقوط هيبته، تجاسر عبد الرحمن بن ملجم المرادي عليه، و تجرد لقتله، فكان قاضياً عليه، و انتهت إمارته في ظرف أربع سنين و تسعة أشهر كانت كلها فتناً داخلية، فوقف بذلك شوط الفتوح الإسلامية الذي كان امتد حبله منذ حياة النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - إلى أبي بكر الصديق، و عمر الفاروق، وعثمان بن عفان أيضاً.
أَمَّا أيام علي بن أبي طالب فكلها كانت داءً دفيناً بين المسلمين، تَغَلَّبَ فيها معاوية بن أبي سفيان، و تَوَلَّى الأمر عن علي و آل علي، و أصبح معاوية خليفة المسلمين رغم مَنْ يكرهه و يلعنه، إذ كانت له سياسة و مهارة تدبير، و اهتمام كبير، أما علي بن أبي طالب فمهارته الضرب بذي الفقار، و قطع الأعناق في الأزمات الحرجة.