العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

بيان حديث الافتراق عند أهل الحق يرفع الشقاق

الجزء ١ · صفحة ٤٥٧

و لا يخفى أن السيرة التي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - و أبو بكر و عمر - رضي الله عنهما - اختلفت آخر أيام خلافة عثمان، وإن المنكرين عليه إنما طالبوه بتلك السيرة، فما زال يماطلهم و الأحكام مضيعة، ثم طلبوا منه أن يعتزل أو يعدل فأبى عليهم، و كلهم يداً واحدة عليه إلا ما كان من خاصته و خدامه، وكان أكثرهم من الخدام، فحاصره طويلاً و لا منكر له لما قدمنا من أنهم كانوا عليه يدا واحدة، وهم بين راض و بين آمر و بين فاعل، ثم قدموا علي إماماً على السيرة الغراء، فخرج معاوية عليه بعدما خرج عن طاعته خوفا على ولايته التي رسخت أقدمه فيها، وخشي عليها أن تسلب، و وازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط، ولبسوا على الناس أنهم يطالبون بدم عثمان، ثم نكث طلحة و الزبير بيعة علي بن أبي طالب، وبسبب ذلك كانت بين المسلمين وقعة الجمل أعظم وقعة عرفها الإسلام، ثم سار إلى معاوية و المسلمون له موازرون ومناصرون، فكانت وقعة صفين أخت الجمل، وفي أثنائها خدعوه بطلب التحكيم حين رأوا الدائرة تدور عليهم، وسيوف المسلمين تعمل فيهم، و زينوا له ذلك ليفتكوا من الأصر الذي وقعوا فيه، فتنازل [366] لطلبهم، وخضع لرغبتهم، فأعطى على ذلك العهود والمواثيق، وإمامته واضحة و سيرته نيرة، و طريقه صالحة، و حجته راجحة فأنكر عليه أصحابه ذلك، ورأوا أنها المكيدة الفعالة، و البالية المهلكة دينا و دنيا.

فطلبوا منه الثبات على تلك السيرة الواضحة، و الطريقة الصالحة، و أمروه بالتمسك بقوله تعالى : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (6) فأبى عليهم ظان أنه باق على إمامته، و إن المسلمين لا يرضون غيره بحال الذي هم عليه معه من سالف أيامهم، و الرجل مخدوع، ومغتر بمنزلته من المسلمين.

٤٥٦ / ٤٧٢