تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

13

الجزء ١١ · صفحة ٥

﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ الفاء لترتيب التوبيخ على كفران ما ذكر من النعم وصنوف الأَنعام ، وكل ما ذكر مثل هذه الجملة فترتيب على ما اتصل به فلا تكرير فى ذلك ، ولو كان تكريرا لكان بلا فاء بل مجردا أو بالواو لا بالفاء المبنية على ما قبلها ، وذلك كقولك لعبدك : ألا تطيعنى وقد ألبستك ، ألا تطيعنى وقد زوجتك ، ألا تطيعنى وقد خففت عنك الخدمة ، ألا ألا ، وقولك لمن أنعمت عليه مرارا وكفر النعمة : ألم تكن فقيرا فأَغنيتك ، أتنكر هذا ، ألم تكن عريانَ فكسوتك ، أفتنكر هذا ، ألم تكن خاملا فعززتك ، أفتنكر هذا . وهذا كثير فى كلام العرب والعجم مطردا لا ينكره إِلا جاهل معاند . ونقول لو لم يذكر هذا التكرير إِلا فى القرآن لكان معجزا ، إِذ لا يجد الإِنسان ثقلا فى تكيريره على نفسه ، بل كل واحد طرى جديد كأَنه منفرد ، كما يجد القارئ جدة تعجب ونشاط كلما قرأ قصة الخضر وموسى فى قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا ﴾ ، كأَنه أول ما سمعها وجاء التكرير أيضا فى الشعر . قال الشاعر :

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما ضيم جيران المجير

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا رجف العضاة من الدبور

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خرجت مخبأَة الخدور

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما أعلنت نجوى الأمور

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خيف المخوف من الثغور

على أن ليس عدلا من كليب … غداة تأَثل الأَمر الكبير

على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما جار جأش المستجير

وللعرب قصائد على هذا النمط من التكرير ، ومنه قول بعض المولدين ممن لو احتج به لجاز : أبا الفضل إِنى لم أقم ، وذكر رب لمزيد التوبيخ فإِن معناه مالك مرب منعم ومن هو كذلك لا يليق به أن يكفر ويعصى مع وضوح دلائله كأَنها ناطقة ، حتى أن الكفر بها كتكذيب من تكلم لما عبر بالتكذيب والخطاب للثقلين كما أنهما المراد بالأَنام أو الداخلان فيه ، كما مر وكما صرح به فى قوله D ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَن ﴾ وقيل الخطاب للذكر والأُنثى من بنى آدم وهو بعيد ، وقيل للواحد على العموم البدلى الصلوحى من خطاب الواحد بخطاب الاثنين ، كما هو قول فى قوله تعالى : ﴿ ألْقِيَا فِى جَهَنَّمَ ﴾ على عادة العرب فى سفر ثلاثة يخاطب منهم الواحد الاثنين وهو أبعد من الذى قبله .

قرأ رسول الله A - سورة الرحمن على أصحابه ولم يجيبوه فقال : « الجن أفضل منكم فإِنى كلما قرأت ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تَكَذِّبَانِ ﴾ قالوا لا بشئ من آلائك نكذب »

٥٬٠٠٥ / ٦٬٠٩٣